اقتصاد المستقبلمقالات رأيمونيتور الفساد

بين اقتصاد المعرفة وسَبيْ المغانم: أيُ نموذج للتّنمية الأقتصادية في لبنان

لا يخفى على من يعنى بالشؤون الإقتصادية، التحول الكبير الذي يشهده العالم في أنظمة الإنتاج وتوزيع الثروة. هذا التحول تبعه تبدل جذري في مفهومنا لنموذج الإنماء الإقتصادي، فعوضاً عن سياسة الإستثمار في البنى التحتية بهدف خلق فرص عمل وضخ السيولة لتعزيز الدورة الإقتصادية، أصبحنا أكثر إدراكاً لدور المطورين والمشاريع الريادية في قيادة النمو الإقتصادي والإجتماعي . في العالمنا الجديد تتركز عمليات الإنتاج على المكننة وبالتالي يتم النمو عبر تطوير برمجة الإنتاج الذي لم يعد يقتصر على السلع والخدمات بل بات يشمل إنتاج المعرفة والذكاء الصناعي والتجاري بشكل عام. وفي أطار هذا النظام الإقتصادي تحول العمل اليدوي إلى نشاط غير منتج للثروة، وبالتالي فإن سياسات التنمية المستدامة تهتم على وجه الخصوص بدعم إنتاج المعرفة والإستثمار في البحوث والتطوير فيكون تدخل الدولة إما عبر الإستثمار المباشر وإما عبر تحفيز واستقطاب المشاريع الريادية بهدف تحقيق النمو وتحسين مستوى المعيشة.
ولا يخفى أن محور هذه سياسة هو دعم مشاريع ريادية التي لا تخلو من المخاطر. ولا بد من التبصر أنه في إطار الإقتصاديات المركبة تصعب قرائة أثار هذه السياسات ونتائجها، إن كانت إيجابية أم سلبية على النمو الإقتصادي وعلى توزيع الثروة. في وجه هذه الإشكالية تميز النظريات الإقتصادية بين ثلاث فئات من الأعمال الريادية : الأعمال الريادية البناءة، الأعمال الغير المنتجة والأعمال المدمرة. وحيث لا تخلوا المجتمعات من رياديين يقودون التغيير، تكمن مشكلة الإنماء المستدام في بيئة المؤسسات (أكانت مرافق عامة من أنظمة قضائية، سياسية، ضريبية، مالية…، أو حتى مرافق مدنية ودينية وأنظمة وعادات وتقاليد الإجتماعية…) التي قد تستقطب وتوجه جهود هؤلاء الرياديين نحو أعمال غير منتجة ومدمرة. فإذا نظرنا إلى تاريخ البشرية تبين أننا نعيش فترة إستثنائية، إذ أنه وخلال معظم هذه الفترة الممتددة حتى الثورة الصناعية كانت الحضارات السابقة ترذل الأعمال في النشاط الإقتصادي.
من هنا تكون دراسة تاريخ هذه الحضارات السابقة مجدية لاستخلاص العبر حول السياسات المناسبة لاستقطاب الأعمال الريادية البناءة. ونستعرض لهذه الغاية خلاصة البحث الذي أجراه وليام بومول منذ عشرون سنة حول مؤسسات الأمبراطورية الرومانية، سلالة السنغ الصينية، وممالك الفرنجة في القرون الوسطى. فعلى خلاف ما قد يكون بديهياً للبعض كنت التجارة والصناعة والأعمال الحرفية أنشطة مرذولة لدى الإغريق والرومان. هذه الأعمال الدونية كانت محصورة بطبقة العبيد والمحررين. أما طبقة المواطنين فكانت متفرغة لأعمال الدولة من حرب وأدارة الشؤون العامة إضافة إلى الإفادة في ملذات الحياة. أسلوب الحياة الروماني مبني على مؤسستي الجيش والبرلمان اللتين كانتا تقودان المجتمع بولاء الجيش ونظام العبودية. إلا أن التقاليد الرومانية لا تستوجب التنزه عن الطموح أو السعي لجمع الثروة بل على العكس فإن الطريق لبناء المنزلة الإجتماعية وجمع الثروات يكون في الحرب والخدمة العسكرية التي تدر الأراضي والعبيد لصاحبها.
أما في العصور الوسطى فقد عرفت طبقة الماندارين في بلاد الصين، نمو ورخاء لا مثيل له. كان ذلك متاحاً بفضل دعم سلالة السنغ التي كانت تستعين بخدمات الماندارين في العلوم والكتابة، وفي تنظيم شؤون الأمبراطورية. وكانت السلالة الحاكمة تجري امتحانات صارمة لإختيار أفضل المرشحين. أما طبقة التجار والعمال فكانت تخشى جمع الثروات مخافة استملاكها من السلطات الحاكمة. وبذلك تكون إمتحانات طبقة الماندارين هي الطريق الوحيد لجمع الثروة ولتحسين مستوى المعيشة. وإذا كانت المؤسسات في بلاد الصين والإغريق والرومان مبنية على سياسة إعادة توزيع الثروة يكون نشاط الرياديين في هذه المجتمعات غير منتج. وهذه هي حال الإقتصاديات الريعية في يومنا هذا. إلا أن أعمال الرياديين قد تكون أيضاً مدمرة، وهذا هو نموذج تاريخ الجاهلية والقرون الوسطى في بلاد الفرنجة. فإن الطريق إلى المجد والثروة في هذا نظام القبلي تكون في الغزو والسبي والحرب. وبسبب حروب “النبلاء” فيما بينهم، وكان حجم الدمار كبيراً.
والعبرة من هذه الخلاصة أن لمؤسسات الدولة ولسياساتها التنموية دور رئيسي في توزيع الثروة وتوجيه المعارف والقدرات نحو الأنشطة المرجوة، أكانت بناءة، غير منتجة أم مدمرة. وإذ يتبين بأن تدخل الدولة والمؤسسات المانحة قد يزيد الوضع سوءاً، تطرح هذه الخلاصة إشكالية جديدة حول فعالية السياسات التنموية .

ماذا عن لبنان؟

وفي هذا السياق لا بد من ملاحظة ما تسرب من ورقة الخلاص لمشاكل لبنان الإقتصادية إن لجهة الخيارات في الزيادة الضريبية أو لجهة تخفيض دعم فوائد القروض الاستثمارية الزراعية والصناعية والسياحية والتكنولوجية. وفي المقابل لا نرى في لائحة البرنامج الإستثماري لقروض سيدر السيادية سوى مشاريع في البنية التحتية لقطاعات الطاقة، الإتصالات، المواصلات، مياه الشفة والصرف الصحي. وبعد عرض لما قد تؤول إليه نماذج سياسات التنمية لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة.
لقد تبين أن نموذج برنامج مارشال لإعادة الإعمار بعد الحرب كان ناجحاً بقيادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإن تم ذلك بكلفة باهظة على الدين العام وبإعادة توزيع للثروة وبعد طول انتظار. فهل يكون هذا النموذج ناجحاً لإطلاق النمو في عالم إقتصاديات المعرفة؟ وللبحث عن الحلول لا بد أن ندرس فرص العمل التي ستتوفر في قطاعات المقاولات بالدرجة الأولى من أجل تنفيذ الإستثمارات في البنى التحتية. ولما كان الهدف من سياسة الإنماء هو ضخ السيولة وتحريك العجلة الإقتصادية، فلا بد من معرفة كيف ستتوزع الثروة الناتجة عن هذه القروض؟ فهل يتم استثمار هذا الإنفاق في الإقتصاد اللبناني أم في إقتصاديات مختلفة؟ وبعد رفع الضرائب ورفع الدعم عن الإستثمارات في مشروع الموازنة، لا سيما في قطاعات المعرفة والتكنولوجيا، لا مفر في المحصلة من طرح السؤال التالي: إلى أي نموذج تقود الطبقة السياسية الإنماء الإقتصادي في لبنان؟ وهل نتجه إلى نموذج إقتصاديات المعرفة، أم نموذج الأرستقراطية الرومانية؟ أنسعى لدعم المعارف والتحصيل كما في نموذج بلاد الصين خلال القرون الوسطى، أم نسعى لسبي المغانم على غرار نموذج شارل مارتيل؟

اخترنا لكم

إغلاق