النشرة البريديةدولياتمونيتور الفساد

بلومبرغ عن قضية غصن: أموال خليجية تحت التدقيق الدقيق

مترجم عن بلومبرغ - محمد مرسي

مصير غصن قد يتوقف على الشبكة المالية المعقدة في الشرق الاوسط

علاقات كارلوس غصن بأموال الخليج تحت “التدقيق الدقيق” 
المدعي العام يمدد الوقت باحتجاز غُصن بتهم أقل
بعد فترة وجيزة من اعتقال كارلوس غُصن رجل الأعمال اللبناني / البرازيلي الخريف الماضي، في بداية “مآساة قانونية” غريبة تتعلق بعالم السيارات، وتساءل البعض عما إذا كانت الجرائم المالية التي اتُهم بارتكابها خطيرة بما يكفي لتبرير الاعتقال المفاجئ للرئيس الأسطوري لشركة نيسان موتورز.
تبين أن هذا كان مجرد “الافتتاح”، فقد كان الاعتقال المبدئي في نوفمبر الماضي، بسبب ما اعتبره البعض تهمة بسيطة نسبياً تتعلق بالتعويضات، ولكنه كان خطوة تكتيكية للحصول على مزيد من الوقت لتحليل الأموال المتدفقة من عمان وإليها، وفقًا لأشخاص مُطلعين على الأمر. ومن أجل الحصول على معلومات إضافية، يتعاون المسؤولون التنفيذيون في نيسان مع ممثلي النيابة العامة في طوكيو، وتلقوا اتفاقيات الإقرار القانونية، في حالتين على الأقل، وفقًا للأشخاص، الذين طلبوا عدم الكشف عن اسمهم.
يواجه عملاق السيارات المخلوع الآن تهمًا أكثر خطورة، حيث تورط في شبكة من المعاملات المالية المعقدة التي تضم شركاء أعمال في عُمان والمملكة العربية السعودية، وكذلك في موطنه الأصلي في لبنان، حيث لا يزال يُحتفى به كشخص صاحب رؤية.
نظرًا لثقة المدعين العامين في إمكانية رفع مستوى القضية، فقد اعتقلوا غُصن مرة أخرى في 4 أبريل، بعد أسابيع بسيطة من إطلاق سراحه بكفالة. وافقت المحكمة في طوكيو يوم الجمعة على اعتقاله حتى 14 أبريل. في أحدث الاتهامات الموجهة له، اُتهم غُصن باختلاس 5 مليون دولار من إجمالي 15 مليون دولار من الأموال التي أرسلتها نيسان إلى موزع خارجي بين عامي 2015 و2018، وفقًا لما ذكره المدعون العامون في اليابان. هذا الرقم يستبعد أكثر من 15 مليون دولار وجدت نيسان أن غصن أرسلها هناك في السنوات السابقة، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.

رفض ممثلو مكتب المدعي العام الياباني ونيسان التعليق عما تم نشره علنًا.
بينما لم تكشف السلطات اليابانية عن اسم الموزع، وجد تحقيق أجرته شركة رينو إس إيه، أن مدفوعات نيسان تمت بموجب تصريح لغصن بأن تذهب إلى سهيل بهوان للسيارات ذ.م.م، الموزع الحصري لسيارات نيسان في السلطنة، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر. ربما تكون بعض هذه التحويلات قد ذهبت على شكل شراء أشياء مثل يخت لصالح نجل غُصن، وفقًا للنتائج التي توصلوا إليها.
وقال ستيفن جيفنز، أستاذ القانون بجامعة صوفيا في طوكيو: “التهم الجديدة أكثر جوهرية وخطورة”. “يمكن أن تتغير الأمور بالنسبة لمستقبل غصن إذا اتضح أنه كان يختلس أموال نيسان بالفعل.”
تحدي غُصن
من جانبه، يستمر غصن في إنكار جميع التهم الموجهة له بارتكاب مخالفات مالية، وقال في بيان له إن اعتقاله الأخير كان “شائنًا وتعسفيًا” وأنه “لن ينكسر”. وفي مقابلة تلفزيونية فرنسية قبيل اعتقاله، دعا الرئيس التنفيذي السابق لشركة رينو، وهو مواطن فرنسي، الرئيس إيمانويل، وحكومة ماكرون أن “تدافع عنه وتحافظ على حقوقه”.
ارتفع غصن إلى صدارة صناعة السيارات بفضل التحول الذي قام به في شركة نيسان، التي كانت تقريبًا في عداد الموتى، تحت وطأة الخسائر الفادحة في أوائل العقد الأول من القرن العشرين، حيث قام غُصن بتدشين واحدة من أكبر تحالفات السيارات في الصناعة، والتي تضم رينو وميتسوبيشي موتورز. حتى العام الماضي، كان أحد رجال أعمال دافوس، الذي يحظى بتقدير وإعجاب كبير، لمعرفته بخمس لغات، وأصوله المزدوجة اللبنانية والبرازيلية، واتصالاته التجارية الذهبية.
في لبنان، حيث يملك غصن استثمارات في العقارات ومزارع الكروم، يُنظر إليه على أنه بطل وطني وأسطورة إدارية. وقال يوسف صيداني، أستاذ  القيادة في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية في بيروت: “يُنظر إليه كرمز مثالي للإدارة السليمة؛ لذا فإن تلك الاتهامات تثير الدهشة بالنسبة للكثيرين”.
لا يزال غصن لديه الكثير من المدافعين عنه في البلاد، حيث طُبعت صورته على طوابع البريد الوطنية. وقالت رشا ناصيف، مديرة في مدرسة خاصة: “إنها مؤامرة وأشعر أنهم يريدون أن يحل محله شخص آخر”. وتضيف “أنا فخورة جداً به حتى الآن.”
في محاكمته القادمة في اليابان، لن تعني إنجازات غُصن السابقة شيئًا، حيث يقدم المدعون أدلة توضح تفاصيل تعاملاته التجارية مع شريكين تجاريين بارزين في الشرق الأوسط: خالد الجفالي، وهو سليل عائلة أعمال قوية ورئيس مجلس إدارة أحد أكبر التكتلات في المملكة العربية السعودية؛ والملياردير العماني سهيل بهوان، الموزع الوحيد لشركة نيسان في السلطنة.
العلاقات الشخصية بين الشركات متعددة الجنسيات وأباطرة الأعمال ليست غير معتادة في الشرق الأوسط، حيث يمكن للسماسرة أن يكونوا همزة وصل بين العادات والقوانين المحلية. وقال جاري جرابو، سفير الولايات المتحدة السابق في سلطنة عمان والزميل الحالي في مركز دنفر لدراسات الشرق الأوسط: “الأعمال في الشرق الأوسط شخصية للغاية، وفي الخليج على وجه الخصوص هناك عائلات تجارية يرتبط نجاحها بقدرتهم على جذب أعمال خارجية” وأضاف “إنها مجموعة صغيرة من العائلات تعود مصالحها التجارية المشتركة إلى عقود من الزمن”.
لكن المدعين اليابانيين اتهموا غصن بإساءة استخدام تلك العلاقات من خلال ارتكاب خرق مشدد للثقة – وهو مصطلح قانوني يعني إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية بموجب قانون الشركات اليابانية.
في حالة الجفالي، ادعى ممثلو الادعاء في ديسمبر أن غُصن حوّل خسائر استثماره الشخصي إلى شركة صناعة السيارات اليابانية بشكل غير صحيح. القضية الرئيسية هي صفقة المشتقات التي قامت بها شركة مرتبطة بغصن مع بنك ياباني، حيث خسرت الشركة عندما ارتفع الين خلال الأزمة المالية في عام 2008، وبلغت خسائر غصن 16.7 مليون دولار، وهو ما دفع المُقرض للمطالبة بمزيد من الضمانات.
اتصالات السعودية
يزعم ممثلو الادعاء أن غُصن قام أولاً بتغيير وضعه المالي في شركة نيسان، ثم نقل الاستثمار بعد ذلك إلى دفاتر شركته الخاصة، مع تقديم الجفالي لخطاب اعتماد لإرضاء البنك. كما يقوم المدعون العامون بفحص 14.7 مليون دولار من مدفوعات نيسان للشركات التي يُسيطر عليها الجفالي.
كل من غصن والجفالي، اللذان لم يتم اتهامهما بأي جريمة، ينكران ارتكاب أي مخالفات، ووفقًا لبيان صادر في يناير نيابة عن شركة خالد الجفالي من قبل شركة العلاقات العامة في نيويورك، “فإن مبلغ 14.7 مليون دولار في المدفوعات على مدى أربع سنوات من شركة نيسان موتور كانت لأغراض تجارية مشروعة من أجل دعم وتعزيز استراتيجية نيسان التجارية في المملكة العربية السعودية، وشملت سداد مصاريف الأعمال”.
لعب الجفالي دورًا رئيسيًا في تسوية نزاع في التعامل مع شريك محلي أدى إلى انخفاض مبيعات نيسان في الشرق الأوسط، وساعد في الحصول على موافقة الحكومة على مشروع مشترك يسمى نيسان المملكة العربية السعودية، وفقًا للبيان. كما ساعد نيسان على الحصول على موافقة وتمويل لمصنع جديد في المملكة العربية السعودية.
تُعد عائلة الجفالي واحدة من أقوى العائلات في المنطقة، وهي من سلالة خالد بن الوليد التي لعبت قبيلتها المكية دورًا محوريًا في تاريخ البلاد المبكر.
تأسست في عام 1946، وتطورت شركة E. A. Juffali & Brothers لتصبح واحدة من أكثر الشركات ازدهارًا في المملكة من خلال التعاون مع الشركاء الدوليين بما في ذلك International Business Machines Corp. و Massey Ferguson Corp. و Siemens AG و Robert Bosch GmbH و Michelin، وفقًا لموقعها على الويب. أما غُصن والجفالي فقد تعرفا على بعضهما البعض منذ سنوات.
معرض ميجا
في سلطنة عمان، توجد شركة سهيل بهوان للسيارات، وهي شركة رائدة في مجموعة بهوان الدولية القابضة، وهي الموزع لشركة نيسان منذ عام 2004. بعد عام، مهدت الشراكة الطريق لافتتاح أكبر صالة عرض لسيارات نيسان في العالم.
يعتبر بهوان، قطب من أقطاب الأعمال المحلي، واسماً مألوفاً في سلطنة عمان، وتقوم شركته القابضة بتسويق نفسها كموزع لأكثر من 20 علامة تجارية عالمية. ويقول جرابو الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في البلاد من عام 2006 إلى عام 2009 “عائلة بهوان معروفة جيدًا في سلطنة عمان، ويضيف “سيكون من الصعب عليك العثور على أي شخص لا يعرف الاسم”.
من جانبها قالت شركة رينو إنها كشفت عن مدفوعات مشبوهة لشركات في الشرق الأوسط، ربما تم استخدام المعاملات التي تمت مع سلطنة عمان ولبنان لصالح غُصن وعائلته، وفقًا للأشخاص المُطلعين على الأمر، والذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم لأن التفاصيل ليست عامة.

ونفت متحدثة باسم عائلة غُصن ومقرها باريس عن ارتكاب أي مخالفات وقالت إن التقارير المتعلقة بمدفوعات عمان واستخدام الطائرات الخاصة، هي جزء من حملة تشويه لجعل الرئيس التنفيذي السابق يبدو جشعًا. ولم يتسن الاتصال بمتحدث باسم سهيل بهوان للسيارات.
مثل هذه المدفوعات المشكوك فيها من شأنها أن تثير الدهشة في الشرق الأوسط، على الرغم من سمعتها في المعاملات غير الشفافة. ويقول صيداني، مؤلف كتاب نُشر في عام 2018 بعنوان “أخلاقيات العمل في الشرق الأوسط”: “لست على علم بأي مفهوم ثقافي يرى أن مصطلح تحت الطاولة، أو الرشاوى مقبول”.
في الوقت الذي يستعد فيه مستثمرو نيسان لعقد اجتماع استثنائي للمساهمين في 8 أبريل؛ لطرد غصن رسميًا من مجلس إدارة الشركة، تثور العديد من الأسئلة المقلقة على صناعة السيارات؛ ما هو موقف غُصن القانوني في فرنسا، حيث تم إعطاء المدعين أدلة على المدفوعات المشبوهة في الشرق الأوسط، ناهيك عن سوء السلوك المالي المرتبط بحفل زفاف أسطوري على طريقة ماري أنطوانيت للرئيس التنفيذي للشركة في قصر فرساي.
إذا اتضح أن غُصن استخدم شركاء أعمال نيسان في الشرق الأوسط لنقل ملايين الدولارات للاستخدام الشخصي، فكيف تخطى ذلك ضوابط الشركة المالية واهتمام كبار المسؤولين التنفيذيين في المنطقة؟ ما المدة التي سيستغرقها الرئيس التنفيذي الحالي لشركة نيسان، هيروتو سايكاوا، في إدارة الشركة؟
وقال كوجي إندو، كبير المحللين في شركة SBI للأوراق المالية، عن شركة غصن: “يجب أن يكون هناك دليل قوي على أنه يتعين عليهم إعادته مرة أخرى”. “ستستغرق هذه القضية وقتًا طويلاً لتسوية عملية إعادة اعتقاله وحل كل المشكلات”.
يبدو أن إجابات تلك الأسئلة، على الأرجح، موجودة في رمال صحراء شبه الجزيرة العربية.
تم إعداد التقرير، بمساعدة؛ ليزا دو ، دانا خريش ، كاي إينو ، جي ما ، أنيا نوسباوم ، تارا باتل ، وتشيستر داوسون.

براين بريمنر

اخترنا لكم

إغلاق