إقتصادالنشرة البريديةمقابلات

الوضع المأساوي للزراعة في لبنان والدعم الحكومي المنتظر

خاص

في لقاء حصري لموقع Bankingfiles مع المهندس ميشال رحمة رئيس بلدة عيناتا-الأرز ورئيس الجمعية التعاونية الزراعية  في عيناتا-الأرز لمناقشة الأوضاع العامة لقطاع الزراعة في لبنان والمشكلات التي يواجهها المزارعون، تفضل باستعراض حال الزراعة في لبنان قائلا:

برأيي أن الزراعة في لبنان تمر حاليا بأسوأ مراحلها على الإطلاق، حيث أن المزارعون يعانون من الأوضاع المتردية، حتى أن الكثيرين منهم يفكرون في ترك الاشتغال بالزراعة من الأساس لأنها لم تعد مجدية، وأعتقد أن المشكلات التي تواجه قطاع الزراعة باتت واضحة وجلية مؤخرا في جميع أنحاء العالم، نظرا لاعتماد هذا القطاع الكبير على الدعم الحكومي في المقام الأول.

سؤال: ما هو القدر الذي تشغله الزراعة من الناتج الإجمالي المحلي، وما هو حجم هذا القطاع الهام بالنسبة للاقتصاد اللبناني ككل؟

رحمة: أعتقد أن هناك نسبة كبيرة من السكان في لبنان يرتبطون بالمجال الزراعي، ولكن تكمن المشكلة في اعتماد قطاع الزراعة على السياسات والخطط العامة للدولة، لأن المزارع كفرد لا يمكنه مواجهة الأسواق العالمية بدون وجود استراتيجية وخطة محكمة ودعم كافي للتشغيل، فبالنظر إلى لبنان، فهي دولة مصدرة للعديد من المنتجات الزراعية مثل البطاطا والموز والتفاح، وبالتالي كي يتمكن المزارع من دخول السوق العالمي وخوض المنافسة، فيجب أن يتمتع اولا  بالجاهزية الكافية لذلك، لذا فإنه يجب على الدولة أن تقوم أولا برسم سياسات عامة ووضع بعض الخطط المستقبلية التي تضمن نجاح هذا القطاع الهام وذلك من خلال البحث عن نقاط الضعف والعمل على تقويتها قبل الدخول إلى مضمار المنافسة العالمية.

وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الزراعة على وجه التحديد يتأثر بالعديد من العوامل مثل الأحوال المناخية، كما أن الأحوال السياسية قد تؤثر على هذا القطاع بنسبة كبيرة، ففي حال نشوب الخلافات الدولية مثلا قد يؤدي ذلك إلى غلق بعض الأسواق في وجه المنتجات، الأمر الذي يؤثر سلبا على أحوال الدول المصدرة، وهنا يجب على الدولة التخطيط من أجل استهداف أسواق جديدة وبديلة، كي لا تتوقف عجلة الإنتاج.

سؤال: بما أنه قد تطرقتم إلى أهمية دور الدعم الحكومي والاستراتيجيات التي تقوم الدول بوضعها من أجل النهوض بقطاع الزراعة، فلابد من الحديث هنا عن حقيقة الدور الذي تمارسه مؤسسة “إيدال” في لبنان، والتي عمدت الدولة إلى إنشائها من أجل دعم قطاع الزراعة، برأيك، لماذا غابت إيدال عن المشهد، وما هو الموقف من المشكلات التي تعتري قطاع الزراعة؟

رحمة: إيدال هي المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان، ومن أهم برامجها هو برنامج “Export Plus” والذي يهدف إلى دعم عملية تصدير الإنتاج الزراعي، وفي الحقيقة فإن هذا البرنامج قد اعتبر نقلة نوعية في عهد الرئيس رفيق الحريري، وبخاصة أن التصدير الزراعي كان قد تراجع بشكل كبير  خلال فترة الحرب، لذا فإن هذا البرنامج قد تم وضعه من أجل إحياء عملية التصدير والعمل على فرض المنتجات اللبنانية داخل الأسواق العالمية.

ولكن للأسف، فإن معظم المشروعات والخطط التي يتم التصديق عليها في لبنان تتجمد عند دخول حيز التنفيذ الفعلي، وبالنظر إلى برنامج  Export Plus فإنه يعتمد في الأساس على الشراكة مع بعض الجهات التي تقوم بتصنيف الإنتاج والإشراف على الجودة، وفي حال تأكيد تلك الشركات على مطابقة المنتجات للمواصفات العالمية، فإن إيدال تقوم هنا بتقديم الدعم اللازم، ولكن هذا النظام تم تطبيقه لبضع سنوات فقط على النحو المنوط به، وبعد ذلك أصبح هناك تراخي ملحوظ في أداء الشركات المسئولة عن مراقبة الجودة، مما أثر سلبا على نوعية المنتجات، وبالتالي تضرر عملية التصدير ككل.

وعلى سبيل المثال فإذا تحدثنا عن الفترة ما بين عام ٢٠٠٠ و٢٠١٢ فإن الدولة اللبنانية تمكنت من تحقيق علامة تجارية بلا منافس في الأسواق العربية والخليجية وذلك بالنسبة لمحصول البطاطا، حتى باتت البطاطا اللبنانية تتصدر المشهد ولا تقبل المنافسة، وكان هذا بمثابة ضمان لاستمرار عملية التصدير، ولكن بالنظر إلى الوضع الحالي سنجد أن هناك العديد من الدول التي تمكنت من دخول حلبة المنافسة بإنتاج عالي الجودة من محصول البطاطا مثل الصين وباكستان وإيران، وذلك في الوقت الذي شهدت فيه البطاطا اللبنانية المصدَرة تراجعا كبيرا على صعيد الجودة، ويعزو ذلك في الأساس إلى تدهور أحوال كل من المزارع والمصدر اللبناني، ناهيك عن الغياب شبه تام لدور الدولة.

وبالعودة إلى الحديث عن برنامج Export Plus فإنه يجب القول بأن افتقار هذا البرنامج الجيد في مضمونه إلى التطوير مع مرور الزمن قد أثر سلبا على حركة الصادرات اللبنانية.

سؤال: بعد استعراض الوضع المأساوي الذي تعيشه الصناعة الزراعية في لبنان، ما هي رؤيتك للمستقبل؟ هل تعتقد أن هناك ضربات ممنهجة مع تعاقب الحكومات المختلفة يتم توجيهها إلى هذا القطاع الحيوي الهام؟

رحمة: دعني أؤكد لك أولا أن دولة لبنان تمتلك مقومات قوية جدا تمكنها من النهوض بقطاع الزراعة كي يصبح ركيزة أساسية في الاقتصاد، ولكن في واقع الأمر فإن الافتقار إلى تحديث القوانين والتشريعات التي تحكم سير العديد من قطاعات الدولة يؤثر سلبا في الأخير على الوضع العام.

وعلى سبيل المثال فإذا تحدثنا عن العدو الإسرائيلي، فإن البقعة الزراعية التي يمتلكها رغم صغر مساحتها إلا أن المنتجات الزراعية التي يقوم بإنتاجها نجحت في غزو الأسواق الأوروبية، والسبب هو الاستراتيجية المحكمة التي تعتمد على استخدام التكنولوجية الحديثة في الزراعة.

وعليه فإنه قد حان الوقت كي تتخذ الدولة اللبنانية خطوات جادة في سبيل النهوض بقطاع الزراعة، وبالنسبة للمنتجات اللبنانية فهناك بعض الأصناف المميزة الغير قابلة للمنافسة في الأسواق مثل الكرز، وعليه فإنه يجب وضع استراتيجية دقيقة من أجل فرض هذا المنتج الفريد من نوعه داخل بعض الأسواق غزيرة الاستهلاك له مثل قبرص، وهنا يتضح دور الدولة في إدخال بعض التقنيات التي تستهدف تحسين جودة المحصول ومساعدة المزراع على التغلب على الظروف المناخية الصعبة.

وأرى أن من بين الحلول التي تصب في صالح المزراع اللبناني أيضا هو إنشاء التعاونيات الزراعية التي تستهدف إيجاد أفضل السبل لتصريف المنتجات.

سؤال: بالحديث عن محصول التفاح باعتباره الأكثر كثافة في لبنان، فمن المعروف أن عملية زراعته ترتبط بعض الشئ بالعملية السياسية بل وبالطبيعة الطائفية للمجتمع اللبناني أيضا، فهل من الممكن تسليط الضوء على ظروف العملية الإنتاجية الخاصة بهذا المنتج تحديدا في لبنان؟

رحمة: نظرا لأن التفاح يشكل نسبة كبيرة من الزراعة في لبنان، فيجب على الدولة إعادة هيكلة الخطط التي تحكم عملية زراعته، وحقيقة الوضع الحالي أن لبنان ينتج 12 مليون صندوق تفاح سنويا ويتم استهلاك 40% فقط من هذه الكمية داخل السوق المحلية، وبالتالي فإن الـ 60% المتبقية يجب أن يتم تصديرها، وهنا تظهر المنافسة بين التفاح اللبناني وبين تفاح الدول الأخرى مثل تركيا واليونان وإيطاليا، حيث أن أسعار الدول الأخرى تبقى أقل نظرا لقدرتها على خفض تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يساعدهم على خلق المزيد من الفرص داخل الأسواق.

ومن المقترحات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أيضا هي ضرورة تطوير وتحسين جودة التفاح اللبناني كي يتمكن من الصمود في وجه المنافسة وهذا يتطلب إنشاء التعاونيات التي تقوم بوضع برامج للمزارعين من أجل تحسين الإنتاج والاهتمام أيضا بالمراحل الإنتاجية التالية لعملية قطف الثمار مثل التبريد والتخزين وتصريف المنتج.

وتجدر الإشارة هنا إلى بعض الأسواق الجديدة مثل السوق الأفريقية التي أقبلت على استيراد التفاح اللبناني بنسبة كبيرة ما بين عامي 2015 و2016 وذلك نظرا لانخفاض أسعار التفاح في هذا الوقت، أما في عام 2018 ومع زيادة الطلب من بعض الدول الأخرى مثل مصر، ارتفعت الأسعار وأدى ذلك إلى خسارة الأسواق الأفريقية، ويعزو ذلك في الأساس إلى ارتفاع سعر التعريفة الجمركية.

والحل هنا هو تقديم مبادرات من قبل الدولة لإتمام صفقات للتبادل التجاري مع الدول الأخرى من أجل خفض أو إلغاء التعريفة الجمركية وبالتالي تنخفض الأسعار ويتمكن المزارع من زيادة الإنتاج.

سؤال: لاحظت في الآونة الأخيرة أن هناك العديد من منتجات الصناعات الزراعية المستوردة من دول الخليج خاصة ،كالفواكه المجففة والبسكويت وغيرها، والتي باتت منتشرة بكثرة داخل الأسواق اللبنانية، أعتقد أن هذا الأمر يسعدني كمواطن عربي ولكن يؤسفني كمواطن لبناني، فلماذا لا تدخل لبنان مضمار المنافسة في هذا المجال الهام؟

رحمة: أعتقد أن من بين الإجراءات الهامة للمحافظة على القطاع الزراعي هو النهوض بالصناعات الزراعية، فمثلا لاحظنا أن زراعة الكروم أو العنب لا تتأثر كثيرا بالمشكلات التي طرأت على الزراعة بوجه عام، وذلك نظرا لارتباط هذا المنتج بصناعة النبيذ في لبنان والتي شهدت تطورا كبيرا خلال الآونة الأخيرة.

وفي مثال آخر فإن السعودية التي تتصدر المشهد في صناعة أهم ماركات الشيبس العالمية، قامت في عام 2012 بمنع تصدير البطاطا من أجل تخفيف زراعتها وبخاصة أنها من المحاصيل شديدة الاستهلاك للماء، ولكن هذا الإجراء لم يؤثر على أحوال زراعة منتج البطاطا، وذلك لأن الكميات التي تذهب للتصدير أصبحت تتوجه فعليا إلى مصانع الشيبس السعودية، وبالتالي فلم تحدث خسائر في الإنتاج.

وفي النهاية فإنه يمكننا الاستفادة من هذه التجربة من خلال عمل مشروع لتصدير البطاطا للتصنيع، ولكن تكمن المشكلة في ارتفاع تكاليف الإنتاج في لبنان وبخاصة تكاليف عملية الري، كما أن غياب الدور الحكومي وانخفاض الاستثمارات يؤثر بشكل ملحوظ على إمكانية وضع حجر الأساس لهذا المجال، لذا فإن الأمر يتطلب ضرورة عمل دراسة شاملة تشمل خطة جادة تستهدف في الأساس البحث عن أسواق جديدة من أجل تصريف منتجات الصناعات الزراعية.

اخترنا لكم

إغلاق