إقتصاداخترنا لكممقابلات

الوضع الاقتصادي مثل “طالب الدبس من حضن النمس” !!!

وأخيرا بعد أن تمكنت الحكومة اللبنانية من اقرار موازنة عام 2019 والتي طال انتظارها، لازالت هناك بعض التساؤلات اهمها اعادة العجلة الاقتصادية والشروع في ورشة الإصلاح الاقتصادي اضافة الى الرؤية الاقتصادية المستقبلية للحكومة اللبنانية في ضوء الموازنة الجديدة.
يجيب على تلك التساؤلات الخبير الاقتصادي وناشر موقع “Banking Files” الدكتور ايلي الخوري الذي حل ضيفا على إحدى حلقات برنامج “نور جديد” عبر فضائية نور الشرق مع الزميل شربل بو كرم.

في إطار الحديث عن المشهد الاقتصادي المرتقب في لبنان أكد الخوري أن الموازنة المنتظرة منذ عدة أشهر كانت مطلبا ملحا وضروريا جدا على كلا الصعيدين المحلي والدولي، كما أن إصدار الموازنة كان أمرا حتميا كي تتمكن الدولة من تنفيذ التزاماتها المنصوص عنها في مؤتمر “سيدر” 2018 ولكن حقيقة الأمر أنه على الرغم من أن تلك الموازنة قد طال انتظارها وخضعت لعدة عمليات تجميل في غرفة العناية الوزارية ومن بعدها تم تشريحها على طاولة لجنة المال والموازنة النيابية إلا أنها جاءت مخيبة للآمال على المستوى الوطني والدولي.

وتابع الخوري قائلا بأن توقيت إصدار الموازنة لأمر ذي دلالات عديدة فمن المتعارف عليه أن يتم إصدارها مع في نهاية العام المنصرم أي 2018 ولكن تأخر الحكومة في إقرار الموازنة الحالية سوف يكون له العديد من الارتدادات السلبية على كافة الأصعدة اقتصاديا كما اجتماعيا وتنمويا.

من ناحية أخرى فإن الأرقام التي جاءت ضمن الموازنة قد أثارت تساؤلات عدة، فقد أشارت بعض التقارير الدولية إلى أن الخطوات الحكومية نحو تخفيض العجز إلى 7.6% والذي وصلت قيمته سنة 2018 إلى 11% من الناتج الإجمالي المحلي لم تكن سهلة لا بل مستحيلة، فالبحث الجاد عن مكامن الهدر والفساد والتهرب الضرائبي واستنزاف المالية العامة هو الخطوة الأولى نحو تخفيض العجز وليس إثقال كاهل المواطنين بأعباء إضافية.

وأشار الخوري إلى أن نظرة الحكومة إلى الموازنة باعتبارها آلية لتوزيع الأموال بين الوزارت والجهات المعنية فحسب هي نظرة ضيقة وغير فعالة، حيث من المفترض أن تكون الموازنة ثلاثية الأبعاد ، وذلك من خلال تقييم المشاريع التي تحتاجها الدولة فعليا وتحديد الأولويات والبحث عن الجدوى الاقتصادية لكل منها ومدى تأثيرها على حياة المواطنين، وبالتالي فإن الإنفاق يتم وفق آلية محددة ومنظمة وليس بصورة عشوائية.

ووصف الخوري موازنة 2019 بـ المبتورة اليدين وذلك نظرا لتركيزها البحث على النواحي المالية والنقدية ومنح الأولوية للقطاع المصرفي فقط مع غض الطرف تماما عن باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى كالزراعة والصناعة والسياحة وقطاع الخدمات، فمثلا لازالت الدولة تفتقر إلى مخططات زراعية فاعلة، الأمر الذي جعل الصناعات الزراعية اللبنانية غير منافسة في الأسواق الدولية، حيث أن دراسة الأسواق الخارجية قد تفتح مجالات للاستثمار في مجال الزراعة في لبنان ومن ثم تصريف المنتجات الزراعية في الدول المجاورة كما الأوروبية، ولعل قبرص تعد مثالا جيدا في هذا السياق حيث تعد بمثابة سوقا مثالية للمنتجات اللبنانية ولكن للأسف فإن الحكومة تغفل عن تلك المخططات والأهداف الاستراتيجية .

وشدد الخوري على أن الاقتصاد بوجه عام يجب أن يرتكز على ثلاث محاور رئيسية؛ أولا الحكومة أو الجهات التنفيذية وثانيا السياسة المالية متمثلة في وزارة المالية وثالثا السياسات النقدية الصادرة عن مصرف لبنان والقطاع المصرفي بوجه عام، ولكن المشهد الحالي كشف حجم الخلل الواضح، حيث بات الاقتصاد يرتكز على محور واحد فقط وهو مصرف لبنان،في ظل عدم استقرار في المشهد السياسي وانشغال الدولة بالعديد من المشكلات الداخلية جعل الدور الحكومي يتلاشى والوضع الاقتصادي يتدهور، ومن هنا ارتكزت أنظار الجميع على دور القطاع المصرفي كرافعة الاقتصاد الوحيدة.

اما بالنسبة الى متانة الليرة اللبنانية فقد أثيرت عدة تساؤلات من قبل المواطنين عن مدى استقرار الليرة وما إذا كان من المفترض بالمودعين تحويل مدخراتهم إلى العملة الصعبة تحديدا الدولارالامريكي وسط تخوف عام من انهيار العملة الوطنية وغيرها من التساؤلات التي تؤكد على أن مصير لبنان الاقتصادي بات معلقا على قطاع واحد فقط مما عكس خللا واضحا في الأداء الحكومي.

ولفت الخوري إلى أن الاقتصاد اللبناني قد أصبح حاليا على شفير الانهيار التام نظرا لافتقاره إلى الضوابط والمعايير السليمة التي تحكم الأداء، وبالنظر إلى حجم النمو الاقتصادي الذي بات في تراجع واضح منذ عام 2010 فإن عجز الدولة عن خط سياسات اقتصادية ناجحة جعل الموازنة الحالية غير قادرة على تضييق العجز في الناتج الإجمالي المحلي، ولعل ارتفاع حجم الدين العام إلى حدود 90 مليار دولار امريكي لعب دورا أساسيا إضافيا في خلق هكذا حالة من عدم الاستقرار في ظل ارتفاع قيمة خدمة الدين العام إلى حدود 5.5 مليار والتي تستهلك ما يوازي نصف ايرادات الدولة والتي بلغت 10.5 مليار دولار عام 2018.

وأضاف الخوري بأن التناقض الواضح بين السياسات المالية والنقدية يعد من أحد أهم العوامل المؤثرة على الاقتصاد بوجه عام، فالمصارف اللبنانية البالغ عددها 55 مصرفا قد أثارت العديد من التساؤلات حول ماهية تلك المصارف ودورها الفاعل في الدولة وعن حجم الاستفادة التي تحققها، وبالنظر إلى مصرف لبنان مثلا، فقد قرر رفع قيمة سعر الفائدة بهدف استقطاب العملات الأجنبية وتعزيز الودائع بالدولار، هذا في الوقت الذي بات فيه وزير المالية مضطرا إلى تخفيض سعر الفائدة على السندات الحكومية من أجل تخفيض العجز بالموازنة، وهنا يتضح التضارب الواضح بين السياستين هذا في الوقت الذي كان من المفترض بهما العمل سويا في تناسق تام من أجل خدمة الاقتصاد اللبناني.

ومن ناحية أخرى فقد نبه الخوري إلى خطورة استنزاف احتياطي النقد الأجنبي بسبب اختلال الميزان التجاري والناجم في الأساس عن الهوة الواضحة بين حجم الواردات والصادرات حيث ظهر العجز الواضح بسبب ارتفاع حجم الإنفاق على الاستيراد في ظل الانخفاض الملحوظ لإيرادات الصادرات.

وختاما فقد أكد الخوري على أنه رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان وتعقد الأمور إلا أن هناك حقيقة واحدة لا يمكن الاختلاف عليها هو أن الحكومات المتعاقبة في لبنان اضافة الى الاستحقاق الرئاسي 2022 وحاكمية مصرف لبنان 2023 لن تسمح بأي حال من الأحوال بحدوث الانهيار الاقتصادي التام، وكنوع من طمأنة اللبنانيين؛ فإن حجم التداول بالدولار لدى الصيارفة لا يتخطى 10% في الوقت الذي يستحوذ القطاع المصرفي على 90% من عمليات الصيرفة لذا من المنطقي ان لا يتأثر سعر صرف الليرة حتى ولو حدث ارتفاع طفيف في سعر الصرف مقابل الدولار.

اخترنا لكم

إغلاق