إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمقالات رأي

الوزير يشتري والدولة شبه مفلسة …. وقصة الفلاح الغني

أثار قرار وزير الاتصالات الاستاذ محمد شقير موجة عارمة من الانتقاد الشعبي والذي قضى بشراء مبنى لشركة تاتش للاتصالات والمشغلة من قبل شركة زين الكويتية. وبحسب المعلومات الاخيرة فقد قرر الوزير شراء المبنى الذي انتقلت اليه ادارة الشركة مؤخرا في منطقة سوليدير في وسط بيروت والذي قد سبق وتم استئجاره من فترة قصيرة بعد انتهاء عقد الإيجار في مبنى الإدارة السابق الواقع في منطقة المرفأ-مار مخايل.

في الواقع ان المستغرب في هذا القرار هو بعدان: البعد الأول يتعلق بالشق المالي والاقتصادي والثاني مرتبط بالعمل الحكومي والقرارات المرتبطة بها. ان القاصي والداني يعلم بدقة المرحلة التي تمر بها البلاد والعباد خاصة بعد حادثة قبرشمون التي شلت العمل الحكومي منذ أكثر من شهر ونصف الشهر وأعادت الاصطفاف السياسي ضمن المكونات الحكومية مما يهدد جديا بالإطاحة بها.

عودة على بدء, ان البعد المالي لعملية شراء مبنى لشركة الاتصالات تاتش المملوكة من الدولة اللبنانية بقيمة 70 مليون دولار أمريكي في منطقة سوليدير العقارية التي تعتبر الاغلى على مساحة الـ 10452 كلم مربع والتبرير الذي رافق هذه الصفقة لناحية الحد من هدر بدلات الإيجار التي تبلغ 6.5 مليون دولار سنويا ليست مقنعة وتطرح علامات استفهام عديدة يجب توضيحها للرأي العام.

ما هي الجدوى الاقتصادية من تلك الخطوة ؟ كيف يمكن لدولة ترزح تحت دين عام وصل بنسبة 150 بالمئة من الناتج الاجمالي المحلي ان تصرف أموالا لشراء أصول ثابتة هي التي تملك من العقارات ما يكفي لبناء دوائرها الحكومية والحد من النزيف المالي الناتج عن عقود الإيجار للمؤسسات والإدارات الحكومية كافة؟ واذا اردنا ان نسلم جدلا بضرورة شراء مبنى للشركة ألم يكن من الاجدى ايجاد بناء آخر في منطقة أكثر تواضعا تتماشى أكثر مع الوضع الاقتصادي المقلق الذي يعصف بالبلاد؟ ان التساؤلات كثيرة وهي تبقى برسم الإجابات الشفافة والتي يستحقها اللبنانيون.

من الناحية الحكومية, لقد ظهر جليا إصرار معظم الوزراء ومن ورائها الكتل النيابية التي تمثلها في الحكومة الحالية كما في الحكومة السابقة والتي رأسها أيضا دولة الرئيس سعد الحريري على التمسك بالعودة الى دائرة المناقصات لدراسة أي مشروع يلزم مالية الدولة. من ضمن هذه الالية تقدم الوزارة او المؤسسة الحكومية دفتر شروط يتيح للمستثمرين فرص متساوية بتقديم عروضهم التي تدرس من قبل الدائرة وتنتقي الاجدى للدولة اللبنانية. لا يمكننا الا ان نستذكر ما حصل ضمن مجلس الوزراء خلال إقرار خطة الكهرباء والتمسك بالعودة الى دائرة المناقصات. من هذا المنطلق لماذا صفقة شراء المبنى أعلاه تمت بسرعة ملفتة وبتعتيم مقلق ودون العودة الى الالية الحكومية المتبعة؟

كنا نتمنى على معالي الوزير الاتصالات العمل على تخفيض فاتورة الهاتف الخلويّ الثابت خاصة لما تتضمنه من محاولة لغمها بضرائب ورسوم «مبطَّنة» فتُسهم في رفع الفاتورة إلى مستويات قياسية بعد إضافة الخدمات الأخرى الضرورية، ودون أن يتمكّن اللّبنانيّ فعلياً من الاستفادة من نوعية وجودة اتصالات توازي الأكلاف المدفوعة مقارنةً بدول أخرى عربية وغربية.

بحسب وزير الاتصالات السابق شربل نحاس لا تُشكّل استخدامات المشترك الهاتفية سوى نحو 35% من فاتورة الخلويّ حيث إنّ الضرائب تُشكل ثلثي فاتورة الخلويّ في لبنان. فضمن بنية الأسعار، وبعد مقارنة الكلفة والربح، يتبيّن أنّ الـ 65% تُشكّل ضرائب فوق الكلفة والربح منها 11% للضريبة على القيمة المضافة، والباقي يُشكّل رفعاً اصطناعيّاً للسعر.

انه لامر غريب عجيب كيف ان الحكومات المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا لم تقدم أي رؤية اقتصادية او اصلاح مالي وإداري يشمل جميع مؤسسات الدولة وكافة القطاعات الإنتاجية للنهوض بالاقتصاد اللبناني المنهك نتيجة الحرب الاهلية. على العكس فقد تم صرف جميع الهبات المقدمة من المجتمع الدولي على مشاريع وهمية وفي أحسن الحال منتفخة لبعض النافذين وأصحاب القرار وايضا تم هدر المال العام الى هذه الجهة وتلك كما انتشر الفساد واصبح المفسد بحسب القاموس اللبناني “شاطرا ” يعرف من أين تؤكل الكتف وتفشت المحاصصة والتوظيف السياسي التي غلبت الكفاءة كمعيار للحصول على وظيفة مما أدى إلى تدني في مستوى الخدمة العامة واهتراء في إدارات الدولة بالتالي الى زيادة الأغنياء غنى وزيادة الفقراء فقرا.

ان سياق الكتابة اخذني لاستذكار قصة الفلاح الشديد الذكاء الذي أراد الحصول على المال فقرر ان يشتري حمار وقام بحشو فمه بالعملات المعدنية ثم أخذه ليتمشى به في السوق فأخذ الحمار يتقيء العملات المعدنية فقال أحد التجار: “أتبيعه” فوافق التاجر ودفع مبلغ 1000 دينار ذهب وأخذ الحمار وذهب. مات الحمار عند التاجر, فأخبر التاجر أصدقاءه, فعلموا جميعا أن هذا الفلاح نصاب ويجب أن ينال جزاءه. أما الفلاح فقرر ان يعمل خدعة جديدة, أشد وطأة وأكثر ربحا من الاولى.

وبالفعل قرر أهل المدينة أن يقيدوه و يرموه في البحر, وإذا هم في طريقهم استظلوا بشجرة قرب البحر فناموا جميعا, وسمع الفلاح صوت كثيرا من الأغنام, فأخذ ينادي: ” أنا لا أريد أن أتزوج بنت الملك”, وسمعه راعي الأغنام, واتفقوا بالمقايضة على أن الفلاح يأخذ الأغنام والراعي يتزوج من بنت الملك, فاستيقظوا ورموا راعي الأغنام في البحر, وبعد وقت عاد الفلاح إليهم بالأغنام, فقالوا له: “كيف نجوت من الغرق؟”, فقال لهم: “حورية البحر أنقذتني وأعطتني تلك الأغنام, فكلما كان المكان أبعد كان عدد الأغنام أكثر”, فذهبوا جميعا إلى البحر وغرق أهل المدينة جميعا, وأصبح الفلاح من أغنى الناس بفضل ذكائه.

على أمل ان يستيقظ المواطن ويعي تصرفات اهل الحكم والمتمسكين بمصير البلاد والعباد ولا يسمح بعد الآن بإقناعه بالذهاب الى البحر كما فعل الراعي بل محاسبته واعادة مال قيصر لقيصر والسلام.

اخترنا لكم

إغلاق