إقتصاداخترنا لكماقتصاد المستقبلالنشرة البريديةمقالات رأي

النظام الاقتصادي العالمي الجديد ما بعد ٢٠٢٠: جائحة كورونا والصراع على إدارة مؤسسات الأمم المتحدة

خص البروفسور جورج نعمة، عميد كلية الاقتصاد وادارة الاعمال في جامعة الحكمة موقعنا بتحليل عن أزمة كورونا وتداعياتها على الاقتصاد العالمي حيث لفت إلى أنه منذ مؤتمر بريتون وودز سنة ١٩٤٤ تسيطر الولايات المتحدة وحلفائها من البلدان الأوروبية على إدارة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وقد اتبع عرفا بأن يكون رئيس البنك الدولي من الجنسية الأميركية ومدير عام صندوق النقد الدولي من الجنسية الأوروبية.

منذ تأسيس منتدى بريكس “BRICS” سنة ٢٠٠٩، وهو تكتل لدول تعمل على تشجيع التعاون التجاري والسياسي والثقافي بينها ويضم خمس دول هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وضع قادة هذه الدول سلسلة من الأهداف من أهمها الحصول على دور متقدم وفاعل في إدارة الاقتصاد العالمي والمؤسسات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة أسوة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما حرص التكتل على الدفع باتجاه إدخال تغييرات في الآليات المتبعة في إدارة المؤسسات الدولية مما أثار حفيظة الولايات المتحدة التي أصرت ومعها الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على سيطرتهم على إدارة البنك وصندوق النقد الدوليين.

لم تقتصر أهداف التكتل الجديد بقيادة الصين على منافسة الغرب على الصعيدين الاقتصادي والمالي بل انتقل الصراع أيضا إلى منظمة أخرى تابعة للأمم المتحدة. دعمت الصين ترشيح السيد تيدروس أدهانوم (وزير إثيوبي سابق) لمنصب مدير عام منظمة الصحة العالمية في العام ٢٠١٧وقد نجحت بتأمين انتخابه مقابل غض النظر عن المعركة الانتخابية من قبل الغرب لتأمين نوعا من التوازن داخل الأمم المتحدة وبعد أن نجحت الولايات المتحدة وأوروبا مرة جديدة بإيصال مرشحيها لإدارة البنك وصندوق النقد الدوليين.

لقد ظهر بشكل واضح التأثير الصيني على قرارات منظمة الصحة العالمية منذ ظهور فيروس كورونا في أواخر العام ٢٠١٩ في وسط الصين وحتى تاريخ إعلانه “جائحة” من قبل المنظمة في ١١ آذار ٢٠٢٠، حيث أشادت المنظمة بالشفافية والفعالية اللتين أظهرتها الصين في إدارتها للوباء ومحاولة احتوائه ولم تقم المنظمة بتفعيل دور خبرائها وموظفيها على الأرض كما فعلت سابقا خلال تفشي فيروس كورونا الأول خلال العام ٢٠٠٣ وقد اكتفت بالمصادقة على تقارير الحكومة الصينية.
وقد طلب مدير عام المنظمة من دول العالم خلال شهر شباط/فبراير عدم القيام بخطوات من شأنها تقييد حركة البضائع والسفر بينها وقد أعطى تطمينات للدول بأن الوباء تحت السيطرة وأنه لم تتوفر الشروط المطلوبة لإعلانه “جائحة”. وبعد أن تفشى الفيروس بشعوب العالم وتبين خطورة ونسبة الوفيات المرتفعة لعدم تمكن الأنظمة الصحية من استيعاب كمية المصابين الذين يعانون من حالات حرجة، قام السيد تدروس متأخرا بتغيير رأيه في الحادي عشر من آذار وقد أعلنه “جائحة” وقد طلب من دول العالم أخذ أقصى التدابير لاحتوائه ومواجهته وهذا ما حصل فعلا في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وغيرها منذ تاريخ صدور هذا الإعلان.

وأضاف البروفسور نعمة ان تأخر منظمة الصحة العالمية بتصنيف الفيروس “جائحة” أدى الى انتشاره بسهولة وبسرعة مدهشة في الغرب، الأمر الذي نتج عنه كارثة اقتصادية غير مسبوقة يصعب مواجهتها حتى ولو قام صندوق الدولي بتخصيص برنامجا لمساعدة الدول الأعضاء. وقد اعتبر أن تدخل المصارف المركزية (لا سيما المصرف الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي) على قاعدة “الطوافة النقدية” التي تضخ النقد بنسبة مرتفعة ومن دون فوائد لن تكون كافية لتفادي الكارثة.

ثبت في العام ٢٠٢٠ أن دور منظمة الصحة العالمية يمكن أن يكون أكثر أهمية من دور صندوق النقد والبنك الدوليين، فهل سوف نشهد ولادة نظام اقتصادي عالمي جديد؟ الجواب على هذا التساؤل هو حتمي ولن يكون سهلا بل سوف يكون مخاضا صعبا ومتقلباً، وسوف يتوجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي توحيد جهودهما وإعادة النظر في سياساتهما الاقتصادية (التجارية والصناعية تحديدا) لاستعادة السيطرة على النظام العالمي وبالتحديد على منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها كافة، فالصراع عليها سيكون حادا و صعبا ويمكن أن يأخذ العالم الى حروب عالمية (ليست بالضرورة عسكرية) .

وقد دعا البروفسور نعمة الى الانتظار لنرى متى وكيف سيكون رد الغرب معتبرا أن الديمقراطية أثبتت مرة اخرى صوابيتها وشرعيتها وقد أكدت هذه “الجائحة” أن الادارة الحكيمة من الصعب أن تكون ناتجة ونابعة عن أنظمة شمولية مهما كبر حجمها و تعاظمت قوتها.

اخترنا لكم

إغلاق