إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمقالات رأي

المال والسلطة في صراع ما بعد الموازنة

ينشر بالتزامن مع موقع أسواق العرب

اعتقد اني قد كتبت لتاريخه ما يحيط بكل وضع الموازنة بما يتجاوز بشكل خاص حساب الأرقام ونسب العجز إلى الناتج ومجمل العناصر التأشيرية التي يصر عليها مجتمع المانحين والمجتمع المالي المحلي.
فمنذ وصول العماد عون إلى سدة الرئاسة أواخر عام ٢٠١٦، ظهَّرتُ مجموعة من المواقف المرتبطة بالاقتصاد السياسي في الحقبة الراهنة وأخصها انتهاء قدرة النموذج الاقتصادي – السياسي اللبناني على إعادة إنتاج نفسه وإنتاج فوائض اقتصادية قادرة على تجديد شرعيته التاريخية.
لم يكن من الممكن إنتاج موازنة افضل لا بسبب جودة هذه الموازنة فهي موازنة سيئة جداً، ليست الأسوأ في تاريخ الموازنات ولكنها تأتي في ظل أسوأ أحوال الطبقة السياسية ووصولها إلى عجز عن إعادة إنتاج نفسها بدون أن تؤذي الاقتصاد الوطني.
الصراع على الموازنة هو في الظاهر صراع أرقام وصراع في سبيل نسب تأشيرية ومحاولة تحميل فئات إجتماعية ضعيفة أعباء الأزمة وتبعاتها.
خلف الستارة يتحرك الصراع الكبير بين قوى المال وقوى الطبقة السياسية بتلويناتها المختلفة. مجموع هذه القوى هم شركاء، وقد استمرت هذه الشراكة مشكِّلةً اقتصاد ما بعد الحرب. شراكة يؤمن القطاع المالي بموجبها تمويل غير منتج مدمج بفساد الطبقة السياسية، وتؤمن الطبقة بالمقابل أرباح احتكارية لهذا القطاع بدأت مع فوائد بلغت ٤٨٪ في التسعينات من القرن الماضي، وإستمرت بضمان هوامش مرتفعة للفوائد في سوق بيروت كانت دائماً أعلى خمس نقاط من المعدلات الاقليمية والدولية بسبب الطلب الحكومي المتزايد على الاقراض.
حين يقول حاكم مصرف لبنان ان الهندسات المالية قد سمحت للمصارف بتوسيع قاعدة رساميلها للالتزام بمتطلبات الملاءة الدولية علينا أن نفهم كيف يعمل النظام المالي – السياسي في لبنان.
هناك مبدأ عام في الدَّين المصرفي يقول ان دراسة جدوى المشاريع هي العامل الحاسم في قرار الإقراض لا الكفالة الموازية. تحترم المصارف هذا المبدأ مع زبائنها ولا تقيم له وزناً مع الدين الحكومي. كلنا يعرف ان المصارف دأبت منذ التسعينات على التحذير من السياسات المالية الحكومية ومخاطرها على الاقتصاد والوضع المصرفي ولكنها لم تتوقف يوماً عن الإقراض السخي للدولة بسبب قاعدة الأرباح التي تكلمنا عنها أعلاه.
الآن هناك لحظة حقيقة يعتقد القطاع بموجبها انه قادر على فرض شروط جديدة للعبة وشروط قاسية على الشركاء الفاسدين.
لم يعد القطاع المصرفي يخشى على ارباحه ومجمل التنازلات التي قدمها هي من كيس المودعين او من كيس مصرف لبنان (الدولة نفسها)، القطاع المالي يعرف ان دين دولة فاسدة لا يمكن السيطرة عليه وكلما أصبح اكثر أذية للاقتصاد كلما ارتفعت الفوائد وبالتالي زادت أرباح القطاع شرط وجود أصول للحكومة قادرة على عدم تحويل هذه الديون إلى ديون سيئة.
فما هي أصول الدولة التي يمكن أن تشكل ضمانة لديون الحكومة؟
ان استمرار التهور والتدهور في المالية العامة هما فرصة إستثنائية لوضع اليد على الموارد الاستراتيجية للدولة: قطاع الاتصالات، قطاعي الكهرباء والماء، تسنيد المداخيل المستقبلية والآخطر الرهان على الموارد النفطية. (من يعتقد ان في الكلام تهويل فالينتظر موازنة ٢٠٢٠).
اعتقد ان في الدولة من يعي خطورة هذا الوضع تماماً ولكن الدولة عاجزة وستصبح اكثر عجزاً مع مرور الوقت، الهم إلاّ اذا كان خلف الرهان على انتظار بداية إنتاج النفط استراتيجية مختلفة تعيد تعديل ميزان القوى مع القطاع المالى وتنزع إلى استعادة قدرة الدولة على الإمساك بوضعها المالى وقدرتها على الإنفاق الاستثماري وربما السيطرة على منظومة الفساد. ربما ذلك كلام احلام ولكنه ممكن.
هل لذلك علاقة بوساطة ترسيم الحدود مع الكيان الصهيوني؟ وما هي الشروط الجيوسياسية التي تسمح باستعادة الدولة القادرة؟ ذلك سؤال اخر.

اخترنا لكم

إغلاق