اقتصاد المستقبلمقالات رأي

القابلية للتوظيف والمهارات المرنة: تحدٍ للأجيال الجديدة في المستقبل المنظور

النص الأصلي بالانكليزية - ترجمة محمد مرسي

في اجتماع عُقد مؤخرًا في وزارة التعليم العالي، ألقى السيد فؤاد رحمه، رئيس منظمة اتحاد رجال الأعمال في لبنان، خطابًا موجزًا ومدهشًا، موجهًا بشكل رئيس؛ إلى جمهور مكوّن من رؤساء الجامعات والمديرين التنفيذيين للأكاديميات.
وكان مما ذكره في الخطاب “لا نبحث عن المزيد من الخريجين المرشحين لسوق العمل الذين يقدمون أفكار أكاديمية معروفة، ولكننا نبحث عن أولئك الذين يمكنهم مفاجآتنا وإغرائنا من خلال الإبداع والقدرة على معالجة المشاكل الجديدة حيث يتوقع منهم اقتراح حلول جذرية لها “.
في الواقع، كان مُلخص رسالة السيد رحمه هي أن الشركات لا تريد المزيد من المرشحين الأكاديميين مثل ما كان يحدث في الجيل السابق، بل يريدون شكلا” جديدا” من المديرين التنفيذيين المُحتملين المرنين ذوي المهارات الأساسية. في هذا السياق، وبالإضافة إلى الأزمة العامة الناتجة عن البطالة، يمكن الكشف عن سبب إضافي للبطالة، والتي يمكن أن تعود لعوامل تتعلق بالمُرشح وملفه الشخصي.
يسلط هذا التصريح، الضوء على وجود فجوة كبيرة (أو هائلة) بين ما يتعلمه طلابنا في المدارس الثانوية، وبشكل أكثر تحديداً في الجامعات وبالمستويات الجامعية والدراسات العليا من ناحية، والطلب الفعلي لسوق العمل في الوقت الحاضر من ناحية أخرى؛ وهذا يعني أن توقعات أصحاب العمل تتجاوز الدرجات الأكاديمية التي يتم الحصول عليها حاليًا، مع التأكيد على شرط المُرشحين الماهرين الـ “جاهزين للعمل”.
من الواضح أن هذا التحذير الذي عبر عنه مسؤول تنفيذي في سوق العمل اللبناني يكمن وراء حالة من عدم الاستقرار الوظيفي التي كانت سائدة طوال العقد الماضي، ليس فقط في لبنان ولكن في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك تواصل الجامعات تخريج أعداد كبيرة من المرشحين الشباب لسوق العمل بصرف النظر عن الوضع الحرج السائد
أحد جوانب الأزمة هو العائد على الاستثمار ROI
تم تخفيض عائد الاستثمار إلى حد كبير مع تزايد عدد الأكاديميين المُتخرجين، فلا تزال توقعات الحصول على شهادات جامعية مقابل العائد على الاستثمار مهمة في بلدان الجنوب (الدول النامية وكذلك دول العالم الثالث) على سبيل المثال؛ منطقة الشرق الأوسط. على العكس من ذلك في البلدان المتقدمة بالشمال، حيث تكون نسبة الخريجين مرتفعة بالنسبة للسكان، فإن العائد على الاستثمار منخفض جدًا ولا يتجاوز 10٪. في الواقع بهذه البلدان التي تزداد فيها الدرجات الجامعية “الكلاسيكية” شيوعًا، هناك اتجاه نحو الحصول على شهادات جامعية والتي تشبه إلى حد كبير الحصول على وظائف بأجر مرتفع.
الوضع في لبنان مختلف نوعًا ما، ولا يمكن إدراجه ضمن تقسيمة الجنوب / الشمال. حيث تعرض بلادنا ميزة غير شائعة تتمثل في وجود أكثر من 40 جامعة تُنتج ما معدله 20000 خريج كل عام، وفيما يتعلق بتخصصات الطب والهندسة والتخصصات المماثلة التي تعتبرها الأسر اللبنانية تخصصات “مُحترمة للغاية” ـ وهو أمر غير صحيح ـ فقد صارت هذه الأيام مُنخفضة العائد على الاستثمار. والسبب هو أن نسبة “الأطباء أو المهندسين / السكان” مُرتفعة بشكل كبير خاصة في المدن والضواحي اللبنانية الكبرى (المصدر السيد توفيق الدبوسي، رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس وشمال لبنان 2018).
ما يظهر من هذا التصريح هو أن المواطنين اللبنانيين يظلون يتمتعون بتقدير – ليس حقيقي – لما يسمى بالمؤهلات العليا. عند هذه النقطة، يصبح من المناسب النظر في القيمة الفعلية للدرجات الجامعية في سياق مُتطلبات سوق العمل من ناحية، وتطوير المهارات الفردية للمُرشح من ناحية أخرى.
ومن خلال مسح للبيانات والتعليقات الموجودة (المعلومات المتاحة والشائعة على شبكة الإنترنت)، يبدو أن هناك علاقة ضعيفة بين التعليم المُكتسب أكاديمياً (والشهادة اللاحقة) وشغل الوظائف بنجاح على المدى الطويل (تتجاوز فترة التدريب القصيرة). على العكس من ذلك، توجد علاقة أفضل بين المهارات / الذكاء والأداء الوظيفي.
من هذا نصل إلى المشكلة التي أثيرت في عنوان هذا المقال: قابلية التوظيف والمهارات المرنة التي تستهدف أجيال من الباحثين عن عمل في المستقبل المنظور.
ببساطة، فإن السؤال برمته يدور حول كلمة “قابلية التوظيف” التي “تنقسم” فعليًا إلى وظيفة وقدرة (… من يجري توظيفهم؟). وهو ما يعني أنه من أجل تحقيق التوازن بين كلا الجزأين، هناك حاجة إلى مهارات إضافية.
يوضح التحليل الظاهر على نطاق واسع؛ التقييمات متعددة المستويات المُتعلقة بتفرد الطبقة الاجتماعية (العالية والمتوسطة والمنخفضة)، والدخل المتنوع للغاية، وكل ذلك يؤدي إلى اختيار منبع عبارة عن (جامعات كبيرة) بتكاليف وحدات ائتمانية باهظة (Credit) – (د ادنى 500 دولار) مقابل مُخرجات بسيطة، هي عبارة عن جامعات صغيرة (مثل العديد من الجامعات) ذات تكلفة وحدات ائتمان مخفضة (حد ادنى 100 دولار). ومع ذلك ولحسن الحظ، تختار بعض الجامعات استخدام معايير الجدارة لتسجيل الطلاب وتقديم المساعدات المالية والمنح الدراسية (أشير هنا إلى وحدة الحكم المحلي وغيرها).
الاستثناء هو الجامعة اللبنانية (الحكومية) العامة والمُتاحة دون رسوم، ولكن لديها عدد محدود من المناصب ….
لكن المشكلة ليست فقط في هذا المستوى. ولكن هناك جانب يتعلق بسياسة تحتاج إلى الاعتماد من جميع المديرين التنفيذيين للأكاديميات؛ لتوفير قيمة مُضافة لتعليمهم، أود أن أشير هنا إلى تعليم المهارات الشخصية للطلاب، فلا يُرجح أن تثير السيرة الذاتية للمرشح إعجاب مسؤولي الموارد البشرية إلا إذا قدم المُرشح للوظيفة دليلًا كبيرًا على امتلاكه المهارات المرنة مثل: المواقف الإيجابية، التواصل غير اللفظي، لغة الجسد – كيفية الوقوف والتنقل والظهور والرؤية، بالإضافة إلى القدرة على الرد على الأسئلة التي يمكن أن تكون خارج المجال التعليمي الذي اكتسبه. وهذا يشكل الاختلافات الرئيسية بين ما تنتجه الجامعات وما يبحث عنه أصحاب العمل في المرشحين. بشكل أكثر وضوحًا، يسعى الأخير إلى توظيف مرشحين يتمتعون بمستويات عالية من الذكاء العاطفي يتصفون بالمرونة والتعاطف والنزاهة والعقل المنفتح، ونادراً ما يتم الاهتمام بهذه المؤهلات في الجامعات.
أيضًا في سياق التكنولوجيا المتطورة باستمرار وقوة أجهزة الكمبيوتر، مع الأفق المتوقع من تحول كبير إن لم يكن الكلي نحو (الذكاء الاصطناعي) وكذلك (الذكاء العام المصطنع)، سيتم تنفيذ العديد من المهام عن طريق الآلات (الآلات التي تديرها أجهزة الكمبيوتر عالية الأداء). وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تعزيز أهمية المهارات الشخصية لدى المرشحين؛ وغني عن القول أن تلك المهارات لا يمكن للآلات الوصول إليها.
وبهدف رعاية مثل هذه المؤهلات، يعتبر أرباب العمل من الجيل الجديد مثل GAFA وهي (اختصار Google و Apple و Facebook و Amazon) والتي تعد أكثر قوة من الناحية المالية من بعض الدول، يعتبر هؤلاء القدرة على التعلم (قابلية التعلم) مؤشر رئيسي على قدرة الفرد على امتلاك المهارات الشخصية، وبالتالي من القدرة على أداء الوظيفة.
وهو ما يجعل GAFA تمول إلى حد كبير برامج التشغيل بمليارات الدولارات الأمريكية، والتي تهدف إلى تدريب الموظفين على هذه الرؤية، ومن المرجح أن تؤدي توقعاتهم بتوظيف أشخاص ذوي عقول منفتحة، قادرين على زيادة عائد الاستثمار.
ما يجب أن تتعلمه الجامعات من هذا الأمر، هو انتهاز الفرصة، والمساعدة على تلبية المتطلبات والتغيرات المتزايدة في سوق العمل – خاصةً عند التعامل مع البعد الجديد للبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي AI والذكاء العام الاصطناعي AGI، حيث يواجه العديد من المديرين صعوبات عند توليهم مناصب قيادية لأن هذه الوظائف يتم شغلها دون تحضير أوليّ؛ لاكتساب المهارات اللازمة والانفتاح الكافي اللازم للقيادة. إذا تم الحصول على مثل هذه المتطلبات في الجامعة، سيتم إثراء الشركات مع موظفين لديهم إمكانات قيادية عندما يحين دورهم.

 

 

 

 

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى