إقتصاددوليات

الفائدة على الدولار والتوقعات المستقبلية

بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اعتبارًا من 16 ديسمبر 2015 بالعودة لسياسته النقدية النمطية، وقد أحدث هذا القرار تحولات مؤثرة في اتجاهات التوقعات في الأسواق المالية العالمية بعد فترة ممتدة نسبيًا لسياسات أسعار الفائدة الصفرية تقريبًا وبرامج التيسير الكمي المصاحبة لها. ومنذ ديسمبر 2015 وحتى الآن، قام المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة تسع مرات (مرة واحدة في كلّ من ديسمبر 2015 وديسمبر 2016، وثلاث مرات في مارس ويونيو وديسمبر من عام 2017، وأربع مرات في مارس ويونيو ونوفمبر وديسمبر من عام 2018). وفي اجتماعه الأخير في 30 يناير 2019 أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على سعر الفائدة دون تعديل عند مستوى يتراوح بين 2.25% إلى 2.50%، مشيرًا إلى أنه سيكون صبورًا بعد ذلك. كما أشار إلى أن الاقتصاد الأمريكي ينمو بوتيرة قوية، مع استمرار سوق العمل في التعزيز وتراجع معدل البطالة، موضحًا أن التضخم السنوي الأساسي لا يزال بالقرب من مستهدفات الاحتياطي الفيدرالي (البالغة 2%).
هذا، ومن المتوقع أن يعتمد أي قرار قادم للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشكلٍ أساسي على البيانات الاقتصادية الصادرة خلال الربع الأول من العام الحالي، وعلى ضوء انفراج بعض المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد الأمريكي، ومنها على سبيل المثال، تباطؤ النمو العالمي، الخلافات التجارية مع الصين، والمخاطر الجيوسياسية، وعلى رأسها مشكلة الإغلاق الحكومي بسبب الخلاف بين الرئيس الأميركي والكونغرس حول تمويل الجدار الحدودي العازل مع المكسيك. وبالتالي، فإن البيانات الاقتصادية تبقى هي الفاصل في أي قرار سوف يتخذه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في المستقبل، ولا شيء سوى البيانات. فمن ناحية، لا يُعتقَد بأن الاحتياطي الفيدرالي سوف يضحّي بالنمو الاقتصادي الجيد في الاقتصاد الأمريكي، والذي لا يحمل لتاريخه أية بوادر تضحية، وهو النمو الذي كان منتظَرًا منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 والذي وفَّر الكثير من الوظائف للاقتصاد الأمريكي حتى بلغت معدلات البطالة أدنى مستوياتها. ومن ناحية أخرى، إن استمرار البطء في وتيرة التضخم قد سمح في السابق وسوف يسمح في المستقبل بالامتناع عن رفع أسعار الفائدة، بحيث يمكن أن يستمر نمو الوظائف والأجور.

فأي سياسة تعديل في أسعار الفائدة الأمريكية سوف يكون لها ما يبررها؛ فبدلاً من الاستمرار في سياسة الرفع التي كانت سائدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإن الاحتياطي الفيدرالي سوف يكون صبورًا خلال المرحلة المقبلة في تقييم صحة الاقتصاد، حيث أن الاحتياطي الفيدرالي سيكون مستعدًا إمّا لرفع أو خفض أسعار الفائدة اعتمادًا على الظروف الاقتصادية، وبالتالي فإن أي احتمالات أو توقعات مستقبلية تبقى رهن التطورات والبيانات حول أداء الاقتصاد الأمريكي، وإن كانت علامات التضخم هي المؤشر المرجّح في أي قرار سوف يعتمده الفيدرالي الأمريكي. وقد قاد هذا التحوّل بعض المراقبين إلى التساؤل حيال قيام الاحتياطي الفيدرالي بتغيير مساره المعتمد في سعر الفائدة بهذه السرعة، وقد يكون السبب وراء ذلك هو ما يعتبره مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي المنطقة المحايدة أو سعر الفائدة المحايد (Neutral Interest Rate) أو التوازني، وهي المنطقة التي لن تحفز الأسعار أو تشجع الاقتصاد، مما دفع بالاحتياطي إلى التوقف عندها.

وهناك بعض الآراء التي تذهب إلى أبعد من توقف الاحتياطي الفيدرالي عن رفع سعر الفائدة، وإنما بالمزيد من التيسير الكمّي للاقتصاد والعودة إلى سياسة أسعار الفائدة المنخفضة، وإن كان هذا يبدو في الوقت الراهن غير منطقي، حيث يقف الاقتصاد حاليًا في منطقة صلبة وقادر على تحقيق النمو المستدام، أقلّه خلال المستقبل القريب والمتوسط. فالاحتياطي الفيدرالي على ما يبدو سيحتاج إلى رؤية واضحة تدعم أية خطوات لاحقة وتكون سببًا لمزيد من رفع لأسعار الفائدة في المستقبل حيث ستكون الأسعار هي الأساس في ذلك. كما سيكون مستعدًا لاستخدام مجموعته الكاملة من الأدوات، بما في ذلك تغيير حجم وتكوين ميزانيته العمومية، إذا كانت الظروف الاقتصادية المستقبلية تُبرّر سياسة نقدية أكثر ملاءمةً مما يمكن تحقيقه فقط من خلال تعديل فائدة الأموال الفيدرالية.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى