اخترنا لكماقتصاد الطاقةمقالات رأي

الغاز والنفط … هل ينقذان الاقتصاد اللبناني من الانهيار؟

المملكة المتحدة- لندن

علينا الحذر من المبالغة لأن لبنان لن يصبح غنياً على غرار الكويت أو قطر ولكن السيولة الفائضة ستساعد في تطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى.

تشير التطورات الأخيرة أن ملف الطاقة اللبناني الراكد في مستنقع التجاذبات السياسية الداخلية بدأ بالتحرك في وقت تزداد فيه الأزمة الاقتصادية الخانقة عمقا. والسؤال المطروح هل ينقذ ملف الطاقة المعطل منذ سنوات، لبنان من محنته الاقتصادية؟

مما لا شك فيه أن لبنان يحتاج الى الطاقة ويعاني من أزمات اقتصادية ومديونية باهظة، لكن الخلافات الإقليمية وحالة التخبط الداخلي أدت إلى إهمال موضوع استغلال ثرواته النفطية المتوفرة في مياهه الإقليمية على مدى السنوات الماضية. مصدر القلق والتوتر الآن هو عزم اسرائيل على استغلال الغاز من المناطق التي يقول لبنان انها تابعة له.

الاقتصاد اللبناني يمر في مرحلة صعبة. هناك نقص في الطاقة الكهربائية وانقطاع الكهرباء بات أمرا منتظما و معتادا. كما ان تدفق اللاجئين السوريين خلق عبئا اضافيا على الاقتصاد اللبناني. كما أن التصنيفات الائتمانية الأخيرة من قبل وكالة «ستاندرد آند بورز»، والتي أبقت التصنيف السيادي عند الدرجة الأخيرة من فئة (B) ووكالة «فيتش»، التي قامت بتخفيض التصنيف إلى الدرجة الأولى من الفئة (C) سيزيد الضغط على الحكومة لأنها تعمق الأزمة المالية وتجبر الحكومة على اتخاذ خطوات لا يقبلها الشارع. الشروع بالإصلاحات المالية والاقتصادية يعني بالضرورة ترشيد الإنفاق وتخفيضه ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي.

الغاز والنفط ،الاحتياطات المؤكدة

حسب دراسات ومسوحات دولية يمتلك لبنان من الغاز الطبيعي حوالي 30 تريليون قدم مكعبة و660 مليون برميل من النفط السائل، آخذين في الاعتبار مساحة 10 في المئة من هذه المياه التي أُجري فيها المسح»، وذلك استناداً إلى ما ورد في دراسة أعدّها «فرنسبنك» عن قطاع النفط والغاز في لبنان بعنوان هل لبنان دولة منتجة للنفط والغاز؟ (جريدة الحياة 31.7.2017).
وإذا ترجمنا الاحتياطات الى دولارات ستكون قيمة احتياطات الغاز 164 بليون دولار والنفط 90 بليون دولار. وبعبارة اخرى سيكون المعدل السنوي للانتاج حوالي 13 بليون دولار سنويا لمدة 20 سنة من الآن.. وتساهم هذه العائدات ايجابيا في تقليل عجز الموازنة وتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلد.
فمن المبالغ به الاعتقاد ان لبنان ستتحول الى دولة غنية على غرار الكويت او قطر او الامارات ولكن الثروة النفطية والسيولة الفائضة ستساعد على تطوير ودعم القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل السياحة والصناعات الغذائية والتجارة وغيرها.

النفط والغاز ليسا جديدين في لبنان

تعود نشاطات أول أعمال تنقيب على الأرض اللبنانية لعام 1947 و 1967 ولكن الحكومة ألغت رخص التنقيب والاكتشاف عندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975. وتم إجراء عدد من عمليات المسح الجيولوجي بين 1993 و 2006 ولم يتم حفر أي آبار في المنطقة البحرية حتى ذلك التاريخ. ومنذ 2009 تم اكتشاف احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي في حوض البحر الأبيض المتوسط تبلغ 122 تريليون قدم مكعب كما تم الكشف عن احتياطات نفطية قابلة للاستغلال تبلغ 1.7 بليون برميل.

المشكلة الرئيسية التي لا تزال تقف عائقا أمام أي تقدم في استغلال احتياطيات الغاز هو الحالة العدائية بين اسرائيل ولبنان ورسميا لا تزال حالة الحرب بينهما قائمة. ولم يتم ترسيم الحدود بين البلدين. ولكن اهتمام وتدخل واشنطن في هذا الملف قد يؤدي الى تغيير في المواقف والسعي من أجل اتفاق بشأن الحدود البحرية. وكانت زيارة السفير ديفيد ساترفيلد الأخيرة الى لبنان ترتبط بهذه القضية.

قد أبلغ السفير ديفيد ساترفيلد (مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى) في زيارته للبنان في شهر حزيران 2019 وزيرة الطاقة اللبنانية ندى البستاني ان الادارة الأميركية لا تعارض مشاركة الشركات الأميركية في قطاع الطاقة اللبناني.
وغردت بستاني عبر “تويتر” قائلة “اجتماع إيجابي مع مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد وأبلغني أن الإدارة الأميركية تشجع الشركات على الاستثمار في قطاع النفط في لبنان”. وفي تطور آخر يصل الى بيروت خلال أيام الموفد الأميركي لجهة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل السفير ديفيد شنكر، الذي حلّ مكان ديفيد ساترفيلد في وساطة التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية لجهة تحديد نطاق الغاز والنفط في المياه الإقليمية اللبنانية.
يتوقع لبنان الالتحاق بنادي الدول المنتجة للغاز والنفط شرق البحر الأبيض المتوسط حيث انه من المتوقع ان تبدأ أعمال التنقيب اواخر 2019 أو أوائل 2020. لا شك ان نجاحات مصر وقبرص وإسرائيل ستحفظ لبنان على استغلال ثرواته المدفونة تحت اعماق البحر.

اتفاقات اكتشاف وانتاج والدور الروسي

في عام 2018 وقعت الحكومة اتفاقات اكتشاف وإنتاج غاز ونفط مع مجموعة شركات (كونسيرتيوم) يضم ايني الايطالية وتوتال الفرنسية ونوفاتيك الروسية، في حصتين او بلوكين. سيتم حفر البئر الأول نهاية هذا العام أما نتائج الجولة الثانية من تقديم العروض سيتم إعلانها في 2020. ويعتبر 31 يناير كانون الثاني 2020 التاريخ الأخير لتقديم العروض. ومن الشركات التي عبرت عن رغبتها في المشاركة تشمل بريتيش بتروليوم البريطانية ولوك اويل الروسية وبتروناس الماليزية ولم تتقدم أي شركة اميركية حتى هذه اللحظة للتعبير عن اهتمامها بالمشروع. علما ان ادارة الرئيس دونالد ترامب تحث إسرائيل ولبنان على الدخول في مفاوضات لرسم الحدود بينهما. النزاعات بشأن الحدود أعاقت مشاريع الاستكشاف والتنقيب لسنوات طويلة.

وتقول مصادر حكومية لبنانية ان “الرقع او البلوكات المطروحة ضمن دورة التراخيص الثانية هي: 1 و2 و5 و8 و10، منها 1 و2 على الحدود السورية و8 و10 على الحدود مع إسرائيل. كما أعلنت الهيئة أن بدء عمليات الحفر في بلوك رقم 9 التي تضم جزءاً متنازعاً عليه مع إسرائيل سيبدأ في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2019”. بعبارة أخرى بلوك 9 يبقى نقطة اختلاف مع اسرائيل. وأزمة ترسيم الحدود مع سورية تبقى قائمة خاصة فيما يتعلق برقعتين 1 و 2..
ويعتقد المتابعون لموضوع الطاقة في لبنان أن روسيا ستلعب دورا محوريا في أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة الشواطئ اللبنانية من خلال اتفاق تعاون بين “نوفاتك” الروسية مع “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية للتنقيب في البلوكين 4 و9 جنوباً وشمالاً. كما من المتوقع ان تشهد لبنان تحركات من قبل شركات نفطية روسية مثل “غازبروم” و”لوك أويل”، كما وضعت شركة “روسنفت” موطئ قدم لها في لبنان من خلال فوزها بعقد لتطوير منشآت تخزين النفط في طرابلس.

مخاطر تواجه قطاع الطاقة اللبنانيي

لا يزال هناك مخاوف ان الوضع السياسي في لبنان قد ينفجر مما سيعرقل اي جهود ترمي لاستغلال الثروة النفطية. ويعتقد المراقبون ان مواقف حزب الله الذي يقحم لبنان في حرب النظام السوري ضد شعبه تخيف المستثمرين وتفسر التردد الأميركي في الاستثمار في مجال الطاقة اللبناني. كما ان التوترات الاقليمية في مضيق هرمز وعلى حدود لبنان الجنوبية مع اسرائيل تشكل بؤر ازمات جديدة في المنطقة .
وكذلك عدم التوصل الى اتفاق مع اسرائيل سيعرقل الجهود اللبنانية لاستغلال ما يسمى بلوك 9 (وفق الخريطة اللبنانية) الذي يحتوي على مكامن نفط وغاز يمكن أن تشكل امتدادًا لحقل كارديش الإسرائيلي، وبالتالي فإن التداخلات ونقاط التماس الجغرافية خلقت الفرص للنزاع، وهذا ما تقوم اسرائيل باستغلاله.

لذا يبدو ان مفتاح الحل يكمن في ايجاد صيغة توافقية بين اسرائيل ولبنان حول بؤر النزاع والاختلاف وإذا استمر هذا النزاع لن يستفيد لبنان من ثرواته.

اخترنا لكم

إغلاق