إقتصادمقالات رأي

السؤال الكبير: الاقتصاد الوطني إلى أين ؟

كثُرَ الحديث في الاسابيع القليلة الماضية عن الانحدار السريع في مختلف الميادين الاقتصادية بحيث بدأت الاشاعات تطال الوضع النقدي العام في البلاد وخاصة مدى قدرة الصمود للمنظومة المالية الحالية وانعكاساتها على كافة الأمور الاجتماعية للمواطن اللبناني .

فهل نحن فعلاً امام انهيار اقتصادي عام وبالتالي علينا شدّ الأحزمة وإيجاد الحلول الفعّالة للإنقاذ بالسرعة القصوى ام اننا فقط امام مجرد اشاعات هدفها التهويل وليس اكثر من ذلك !

للإجابة بموضوعية أكاديمية ، نرى من الواجب الاطلاع على بعض المؤشرات والأرقام المعبّرة علمياً عن واقعنا الاقتصادي، فنبدأ بأحد أخطر هذه المدلولات أي ما يعرف بتنامي ” الدين العام ” الذي قد لامس مستوى الـ 85 مليار دولار في نهاية الشهر الماضي حسب الأرقام الرسميّة المعلنة والتي قد لا تشمل العجز في بعض المؤسسات العامة المتبقية ضمن ” المستور ” كمجلس الانماء والإعمار كما الحال نفسها في مؤسسة الضمان الاجتماعي وغيرهما .

 

فاذا سلمنا جدلاً بضرورة الاستدانة العامة لتكبير حجم الاقتصاد وبالتالي زيادة “الناتج القومي ” ، نرى ان الفشل الذريع  كان سيد المواقف في خلال السنوات الماضية بحيث ان حجم اقتصادنا راوح مكانه بحدود الـ 50 مليار دولار ، في حين قفز الدين العام بما لا يقل عن 20 مليار وبالتالي اصبحنا في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الاسوأ في المعادلة النسبية بين ” الدين العام ” و” الناتج القومي” إلى مستوى تجاوز الـ 140 في المئة . فهل من يحاسب ؟ طبعاً لا ، ولكن حينها يبدأ البعض بتسليط الأضواء على العجز السنوي في الميزانية العامة المتنامية دائماً مما يجعلنا نطرح الأسئلة العديدة عن كيفية تقرير النفقات والواردات في مختلف الوزارات وما يتفرع منها في اجازة الجباية والإنفاق وفتح الاعتمادات وتوزيعها وتدوير الكسور الخ .

الجواب واضح هنا ، فهو ناتج عن سوء ادارة فاضح إن لم نقل أكثر من ذلك ..

 

تزامناً مع هذه الحقيقة الصعبة، نرى أيضاً ارتفاعات ملحوظة جداً في عجز ميزان المدفوعات وكذلك الأمر بالنسبة للميزان التجاري ، مما يجعلنا نواصل طرح اسئلتنا عن كيفية استمررانا في سدّ حاجيات الاستهلال لاقتصادنا من الخارج، كما جرت العادة منذ سنوات عديدة ، وذلك بغياب القطاعات الانتاجية من صناعية وزراعية وغيرها .

 

كيف وصلنا إلى هذا الواقع المرير ؟

لماذا لم يتم الاستثمار في القطاعات المنتجة من اقتصادنا من صناعة وزراعة وأعمال اخرى ؟

أين ذهبت أموال المصارف ؟ لماذا لم يتم استعمال اجمالي القروض بطريقة فعّالة لصالح القطاعات المنتجة ؟

 

فبقراءة بسيطة وسهلة نرى ان الجزء الأكبر من أموال المودعين في المصارف تم توظيفه في خدمة ” الدين العام ” وخاصة من خلال الاصدارات المتتالية لسنوات الخزينة وذلك لتمويل حاجات الدولة الغير منتجة بإعداد موظفيها المتزايدة من دون رقيب في مختلف الادارات تماشياً مع مبدأ ” المحسوبيات السياسية ” ، فكانت انعكاسات هذا السلوك الغير محترف من قبل القيّمين على الوضع العام في بلدنا بزيادة نسبة الفقر لمجمل فئات شعبنا، فرأينا اضمحلال نسب عالية من الطبقات الوسطى في مجتمعنا لصالح تنامي ثروات قلّة من الأشخاص الذين ما زالوا ضمن نطاق العمود الفقري للمنظومة السياسية في بلدنا، ويا للأسف …

 

إنه فعلاً من المعيب جداً ان نرى مدى الانهيار الحاصل في بُنية مجتمعنا الاقتصادية وخاصة في خلال العقد المنصرم بحيث بات واضحاً للجميع نتائج القرارات العشوائية وعواقبها الوخيمة على شعبنا.

 

فكفانا اعتماد الحلول الظرفية على غرار الـ ” Ponzi scheme ” ، كما كان يحصل في بدايات القرن الماضي ، والتي لا تتعدّى ” الهروب إلى الأمام ” .

فالمطلوب منذ الآن هو في الشروع بتغيير شامل في منهجيّة وسلوك الادارة اللبنانية بحيث لا تضيع الفرص الجديدة وخاصة ما يتمّ تداوله عن امكانية استخراج النفط والغاز، فلا يكون مصيرهما في ” مهبّ الريح ” ، فنعود ونسأل ماذا بعد ؟

أخيراً، الحلول ما تزال ممكنة لنهضة اقتصادنا فذلك يتطلّب وجود النوايا الحسنة عند أهل الحكم بإيقاف الهدر الحاصل أولاً، والبدء بوضع الخطط الجديّة للمعالجة الاقتصادية الشاملة والعمل على خلق استقرار سياسي مستدام .

 

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى