إقتصاداخترنا لكماقتصاد الطاقةمقالات رأي

الخام الملوث يحرج روسيا: هل يتم عزلها من أسواق النفط العالمية؟

لندن

أزمة جديدة تعصف بأسواق النفط وقد يكون في ذلك فائدة لبعض الدول الخليجية المنتجة للنفط تطبيقا للقول “مصائب قوم عند قوم فوائد”. ويبدو ان عدة دول أوروبية ستتوقف عن شراء النفط الروسي، بعد اكتشاف تلوث كميات كبيرة من الخام الروسي مما جعلها غير صالحة للاستعمال.

يتزامن ذلك مع أزمات اخرى منها جهود واشنطن لتصفير صادرات إيران النفطية، إضافة إلى ممارسة ضغوط على موسكو، التي تدعم إيران، وهو ما يشير إلى إمكانية أن تستخدم واشنطن أزمة النفط الروسي الملوث في الضغط على روسيا وإيران في آن واحد.

وحسب مصادر نفطية مطلعة أوقفت دول أوروبية استيراد النفط الروسي الملوث، وتعاني أسواق النفط العالمية نقصا في إمدادات “النفط الثقيل”، لا سيما في ظل التزام “أوبك” وشركاءها في تنفيذ اتفاق خفض الإنتاج.

بينما تحاول أسواق النفط معرفة أبعاد الأزمة وقدرة روسيا على علاجها وبسرعة، التزمت شركة “ترانس نفط” الحكومية الروسية، وهي أكبر شركة خطوط أنابيب في العالم، الصمت.

كما قال مديرو جميع شركات إنتاج النفط الروسية الكبيرة إن محاولاتهم للحصول على معلومات من شركة ترانس نفت قد فشلت، وبقيت غامضة خصوصا ما تعلق بكيفية تلوث النفط أو من هو المسؤول.

“ترانس نفط” تنقل حوالي 10 ملايين برميل من النفط يوميا في روسيا وتصدر أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا إلى أوروبا، قد تضع اقتصاد روسيا في موقف حرج.

قصة تلوث النفط الروسي

أوائل شهر مايو آيار الحالي تم توقيف تدفقات النفط الروسي إلى زبائن كبار في أوروبا بعد اكتشاف شوائب وملوثات غير عادية في النفط الخام الذي تصدره روسيا. وسبب ذلك  مزيدا من الاضطراب والارتباك في سوق النفط العالمية، ودفع الأسعار للارتفاع في لندن فوق مستوى 75 دولارا للبرميل.

وذكرت مصادر إعلامية، أن “الخام الروسي أصبح ملوثاً بالكلوريدات العضوية، التي عند تكريرها تتحول الى حامض الهيدروكلوريك، الذي يلحق الضرر بالنباتات وكذلك تؤدي الى عطب وخراب في المصافي المهيئة لتكرير النفط النقي. الكلوريدات تستعمل لتنظيف آبار النفط وتسريع تدفق الخام، لكنها إذا اختلطت بالنفط عبر أنابيب أوصهاريج في مراحل النقل تصبح مضرة جدا وتؤدي الى هلاك معدات المصافي والأجهزة.

وتناولت وسائل الاعلام قصة التلوث التي اصابت النفط الروسي خلال الاسابيع الماضية. حيث امتنعت شركات النفط الأوروبية والمصافي التي استوردت النفط في مارس وابريل الماضيين عن قبول استلام الشحنات بعد اكتشافها انها ملوثة وغير صالحة للمصافي التكريرية.

وباتت الصادرات الروسية النفطية مهدّدة بعد ان رفضت شركات اوروبية كبرى مثل توتال الفرنسية وايني الايطالية التي تشتري نفط روسي دفع القيمة المطلوبة وهي تطالب الآن بالتعويض لاستلامها نفط رديء غير صالح للاستعمال الأمر الذي سيؤثر سلبا على صورة روسيا كمصدر موثوق ونزيه وهذا سيؤذي الاقتصاد الروسي.  توتال وايني من كبار الشركات التي تستورد النفط الروسي من خلال خط انابيب “دروجبا” الذي من خلاله تصل الامدادات الى الدول الأوروبية. وسابقا وقبل ظهور قصة التلوث في ابريل نيسان الماضي كان الدفع منتظما مقابل النفط النظيف. ويبدو ان الموقف الروسي هو على الشركات الدفع اولا ثم تقديم الشكوى والمطالبة بالتعويض اذا كان النفط لا يوافق المعايير الدولية. وحسب بعض التقديرات تبلغ كمية النفط الملوث 9 ملايين برميل بقيمة تقارب مليار دولار.

ومن جهة أخرى يطالب المشترون الأوروبيون من المنتجين الروس تقديم ضمانات على شكل ودائع بنكية تفيد بأنهم سوف يقبلوا مسؤولية عملية التنظيف أو تأخير المدفوعات المستحقة، حتى يتم حل الأزمة.

يذكر أن أزمة جودة النفط الذي يجري توريده من روسيا إلى بيلاروس عبر خط أنابيب “دروجبا” بدأت في  شهر أبريل الماضي، واعترفت شركة “ترانسنفط” الروسية بتجاوز نسبة مركبات الكلور العضوي الموجودة في النفط المورد إلى بيلاروس “روسيا البيضاء” الحد الأقصى المسموح به، وأعلنت التزامها باتخاذ ما يلزم من إجراءات لتدارك الوضع.

افتتح خط أنابيب “دروجبا” عام 1964، ويتميز بأفرعه العديدة وتشعباته المعقدة ويزيد طوله عن 6 آلاف كيلومتر، ويمر جزءه الشمالي بأراضي بيلاروس وبولندا وألمانيا، والجنوبي بأراضي أوكرانيا وتشيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا.

وفي هذا السياق أعلن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية “الكرملين”، دميتري بيسكوف، 24 مايو آيار الحالي أن موسكو تبذل جهوداً للتخفيف من تداعيات حادث ضخ نفط ملوث من روسيا إلى بيلاروس في خط أنابيب “دروجبا”. وقال بيسكوف “هذه حالة طارئة. إنها مشكلة تكنولوجية لا يخفيها أحد”.

وحسب مصادر نفطية من بيلاروس ((روسيا البيضاء)) المسؤولة عن تشغيل خط أنابيب دروجبا، إن حوالي 5 ملايين طن في المجمل قد تكون تلوثت بكلوريد عضوي يستخدم لتعزيز استخراج النفط أي ما يعادل 37 مليون برميل من النفط الخام.

وقبل عدة أسابيع اضطرت روسيا لوقف الصادرات عبر خط الأنابيب دروجبا إلى بولندا وألمانيا في الفرع الشمالي من الخط وإلى أوكرانيا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك في الجنوب. ويتفرع خط الأنابيب عند مصفاة موزير في روسيا البيضاء.. واستعادة خدمة النقل من خلال خط الأنابيب العادية وبشكل كامل يحتاج إلى ستة أشهر .وتعرضت “مصفاة “موزير”  للضرر الكبير لاستخدامها النفط الملوث. وتعطلت المصفاة وتم تفكيكها. ويقوم المختصون بضخ كيماويات مضادة للتأكل في خط الأنابيب والصهاريج وكذلك ضخ كميات من النفط النقي عدة مرات لتمييع واضعاف المحتوى الملوث وهذا له تكلفة باهظة.

مصافي آسيوية مستقلة تقبل النفط الملوث

حسب مصادر اخبارية هناك محاولات لتصدير النفط الروسي الملوث من خلال شركات تجارية مثل فيتول ويونيبيك وسيتم شحن 700 ألف طن أي حوالي 5.1 مليون برميل الى الصين وهو النفط الذي رفضته أوروبا وبيعه في الصين بأسعار منخفضة.

وتسعى “شركتي (فيتول) و(يونيبك)” لبيع النفط الملوث لشركات التكرير الصينية المستقلة، التي أبدت اهتمامها بشراء النفط”. وقد عرضت روسيا على هذه الشركات شحنات من خام الأورال، الذي يحتوي على 30-50 جزءاً في المليون إلى 200 جزء في المليون من الكلوريد العضوي.

لكن في المقابل، يتوخى المشترون الحذر، لأن خام الأورال الملوث يحتاج إلى التخزين في صهاريج، وتخفيفه عدة مرات بالنفط النظيف لتقليص محتوى الكلوريد العضوي، كي لا يضر بمعدات التكرير.

فيما تجري الشركات الصينية في الوقت الحالي مزيداً من فحوصات الجودة على الخام الروسي الملوث، فقد يتسبب الكلوريد العضوي الموجود في النفط الخام في صدأ وتآكل الصهاريج، ويدمر وحدات التكرير ويعطل شغل المصافي.

السعر سيستند على سعر برنت القياسي مع خصم يتم التفاوض بشأنه. ويقول تجار أوروبيين ان الخصم يتراوح من 10 الى 20 دولار للبرميل ورغم ذلك قليل من المستوردين ابدوا رغبة في شراء نفط غير نظيف.

وتبلغ إجمالي الكميات المتجهة لآسيا 1.5 مليون طن أو 11 مليون برميل من خام اليورال التي تم تصديرها من ميناء “اوست لوغا”على بحر البلطيق في الأسابيع الأخيرة. وهناك 9 ملايين برميل موقوفة في خط أنابيب دروجبا بين بيلاروسيا وألمانيا.

كما أظهرت بيانات أن روسيا تستخدم السكك الحديدية وصهاريج للتخزين وسفنا لإزالة النفط الملوث من خط أنابيب التصدير، وأنها استخرجت حتى الآن حوالي مليوني طن من النفط الملوث، أو ثلث إجمالي الكميات الملوثة.
وما زالت الحصة الكبرى من النفط الملوث، أو ما يصل الى مليوني طن، موجودة في أنظمة خط الأنابيب في روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا. وهناك مليون طن أخرى تقريبا محصورة في بولندا وألمانيا، بحسب تجار ومصادر نفطية. وينقل الجزء الشمالي من خط الأنابيب نحو 10% من استهلاك أوروبا بالكامل، ما يصل إلى 1.5 مليون برميل في اليوم، وفقاً لبيانات وزارة الطاقة الروسية.

استعادة الثقة التي تزعزعت بسبب الأزمة

وحسب تقارير رويترز أن هذه الحادثة “شوهت سمعة وصورة روسيا كمصدر في وقت اشتد فيه التنافس مع مبيعات النفط الأميركية”.

مما لا جدل فيه أن أزمة التلوث زعزعت ثقة الشركات التي تشتري وتستورد النفط الروسي. ففضلا عن التعويضات المالية لتقليل خسائر الشركات الأوروبية، يتعين على الشركات الروسية التي تنتج النفط الخام وتصدره ان تتخذ اجراءات احترازية لمنع دخول الشوائب والملوثات الكيميائية ويتم ذلك عن طريق الفحص المنتظم وتبني نظم وبرامج صيانة وتنظيف الصهاريج وخطوط الأنابيب بشكل دوري منتظم وعدم ترك الأمور حتى يصل الخام الملوث للمصافي ويدمر المعدات. فلا فائدة من إغلاق باب الإسطبل بعد هروب الحصان.

اخترنا لكم

إغلاق