اخترنا لكمدولياتمقالات رأي

الحكومة اللبنانية الجديدة و التكنوقراطي العالمي كارلوس غصن

المملكة المتحدة- لندن

تتناقل وكالات الانباء قرار القضاء اللبناني استدعاء التكنوقراط كارلوس غصن هذا الاسبوع لاستجوابه إثر إصدار منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) مذكرة توقيف دولية بحقه، على خلفية هروبه من اليابان حيث كان قيد الإقامة الجبرية. وتعتبر السلطات اللبنانية أن رجل الأعمال الذي يحمل الجنسيات اللبنانية والفرنسية والبرازيلية دخل البلاد فجأة قبل عدة أيام. كارلوس غصن نفذ خطة محكمة للهروب من القضاء الياباني الى لبنان. تفاصيل القصة المذهلة تليق بدراما مثيرة على نيتفلكس او فيلم لجيمس بوند. المهم ان لبنان غير ملزمة بتسليمه ولا يوجد اتفاق او معاهدة لتبادل الفارين والمجرمين بين لبنان واليابان.

ولكن من قال أن كارلوس غصن مجرما؟ يرى البعض انه رجل أعمال مظلوم. ولا شيء يستدعي ملاحقته في لبنان. ومن المنتظر أن يعقد غصن مؤتمرا صحفيا هذا الأسبوع. وينتظر العالم بفارغ الصبر لسماع ما سيقوله غصن ولسماع الرواية حسب رؤيته وتفسيره.
استغل غصن البيروقراطية اليابانية والثغرات الادارية والتنظيمية وهرب من نظام العدالة الياباني الذي لا يخلو من العيوب. ربما غادر اليابان بطريقة غير شرعية ولكنه دخل لبنان بطريقة شرعية ووثائق سفر حقيقية. هناك اعتقاد أنه في اليابان ساد شعور براحة البال من قبل شركة نيسان لهروبه لأن محكمة طويلة ذات متاهات متشعبة لا يمكن توقعها قد تسيء لسمعة اليابان في العالم وستكشف عن عيوب وفضائح لا تخدم مصلحة الشركة ولا تخدم سمعة القضاء الياباني.

ما هي الاتهامات الموجهة لغصن؟

تقول سلطة المدعي العام اليابانية ان غصن قام بتزييف بيانات مالية ليظهر ان راتبه اقل بكثير من الراتب الحقيقي وأنه أساء استعمال المال الرسمي للشركة لأغراض خاصة وبالطبع ينفي غصن كل هذه الاتهامات ويعتبرها كيدية. ومن وجهة نظر غصن ان السبب هو استياء كبار المسؤولين في شركة نيسان لصناعة السيارات اليابانية من خطته لدمج نيسان اليابانية مع شركة رينو الفرنسية.

وحسب تقارير إخبارية: بعد توقيفه في مطار هانيدا قرب طوكيو في نوفمبر 2018، وجّه القضاء الياباني أربع تهم إلى غصن تشمل إخفاء تفاصيل دقيقة تتعلق عن دخله بالكامل، كذلك اساءة استخدام أموال شركة نيسان التي أنقذها غصن من الإفلاس للقيام بدفع مبالغ مشبوهة لأشخاص لا يستحقونها قانونيا واختلاس أموال الشركة للاستخدام الشخصي. إلا أن رجل الأعمال نفى كل تلك التهم، مشيرا إلى أن عمليات الدفع التي قام بها من أموال نيسان كانت لشركاء في المجموعة، وتمت الموافقة عليها وأنه لم يستخدم يوما بشكل شخصي أموال الشركة. يعتقد غصن ان المدعي العام الياباني ونيسان حيكا مؤامرة لمنع مدير تنفيذي اجنبي من دمج شركة نيسان اليابانية مع شركة رينو الفرنسية.
بالمجمل قضايا اساءة استخدام المال والسلوك الغير لائق قد تؤدي الى حكم بالسجن لمدة 15 عاما.
وندد محامو غصن وعائلته مرارا خلال فترة اعتقاله بظروف احتجازه وبالطريقة التي تعاطى بها القضاء الياباني مع ملفه. وسمح القضاء له الشهر الماضي بالتحدث إلى زوجته للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر.

دعم وتبرير من رجل أعمال بريطاني

مايك وودفورد (59 عاما) مستشار أعمال بريطاني ورئيس تنفيذي سابق لشركة اوليمبوس اليابانية المتخصصة في صناعة منتجات بصرية وتصويرية، يؤيد ويدعم هروب كارلوس وقال في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية ان كارلوس لديه التبريرات الكافية للهروب من نظام القضاء الياباني. مايكل وودفورد تم طرده من وظيفته عام 2011 بعد ان جلب انتباه المسؤولين اليابانيين لعمليات احتيال في حسابات شركة التقنية البصرية أوليمبوس. تبلغ قيمة المال المشبوه 1.30 مليار دولار. وقال وودفورد للصحيفة: ” لا أعتقد أن غصن سيحصل على محاكمة عادلة”. غصن لديه الإمكانات والاتصالات ليهرب من النظام القضائي الياباني. “لو كنت مكانه واواجه سنوات طويلة في سجن ياباني لفعلت نفس الشيء”. مصادر مقربة من غصن قالت لوكالة رويترز انه أخذ القرار بالفرار بعد تأجيل محاكمته حتى نيسان 2021 ومنعه من الاتصال مع زوجته.

ماذا قالت الفايننشال تايمز اللندنية؟

في افتتاحيتها السبت ذكرت صحيفة المال والأعمال “الفايننشال تايمز” أن النظام القضائي الياباني لا يضمن العدالة رغم أنها دولة ديمقراطية. وفرص غصن في الحصول على محاكمة مفتوحة وعادلة أمر مشكوك فيه. نظام الادعاء في اليابان بطيء ومرهق ويضطر غالبية المتهمين بالاعتراف بالذنب للاسراع في عجلة القضاء البطيئة المنهكة ويفتخر المدعي العام بنسبة الادانة العالية التي تزيد عن 99% حتى قبل مثول المتهم أمام المحكمة. فقضية كارلوس غصن فضحت نقاط خلل وعيوب في النظام الياباني.

أهم انجازاته

يعتبر كارلوس غصن أهم تكنوقراط في العالم. بنى غصن سمعة كبيرة على مستوى عالمي في الجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة والتخطيط الدقيق المحكم والمجازفة ونجح في انقاذ شركة نيسان للسيارات من الإفلاس. أعاد هيكلة الشركة بطريقة جراحية وربما قاسية وعديمة الرحمة وأغلق مصانع غير مجدية اقتصاديا وقام بتخفيض القوة العاملة وقلب شركة على فراش الموت الى شركة ديناميكية ناجحة. ولكن بعد القبض عليه تراجعت حظوظ نجاح الشركة.
هروب غصن سيكون أمرا محرجا للسلطة القضائية اليابانية لأجهزة الأمن ولسمعة اليابان كدولة جاذبة للاستثمار الأجنبي وايضا سيتم احراج ماكوتو يوتشيدا المدير التنفيذي الجديد لنيسان الذي يواجه تحديات ضخمة مثل إنعاش الشركة المريضة وترميم العلاقة مع شركة رينو الفرنسية.

ماذا حدث بالضبط؟

بدأت مشاكل غصن عندما وصل الى مطار هانيدا الدولي في طوكيو في نوفمبر 2018 حيث تم إلقاء القبض عليه وخضع 129 يوما للاستجواب تحت ظروف صعبة واحتجز في زنزانة تفتقر للتدفئة والراحة ولا تليق برجل من منزلة وأهمية غصن. ثم استطاع ان يدفع كفالة بحوالي 14 مليون دولار وينتقل الى بيت استأجره ليعيش فيه ووضع مكان إقامته تحت مراقبة وكاميرات رصد 24 ساعة. وحياته كانت روتينية ينهض في الصباح يذهب إلى صالة الرياضة القريبة للياقة البدنية ثم يذهب الى مخبز فرنسي لشراء أشياء يحبها..

شعر غصن بالإحباط الشديد من ألاعيب المحققين وبطء عجلة العدالة اليابانية وجاءت القشة التي قصمت ظهر البعير يوم الكريسماس 25 ديسمبر 2019 عندما عقد محامو الدفاع مع المدعي العام اجتماعا وقرررت سلطة القضاء تأجيل المحاكمة حتى 2021. حينها فقد غصن الأمل في الحصول على العدالة وحسم أمره أنه لا يريد ان يبقى تحت الرقابة ومحجوزا لشهور طويلة بانتظار محاكمة غير عادلة تنتهي بسجن بين 10 و 15 سنة. فقرر الهرب وتنفيذ خطته الجيمس بوندية. لا تزال الصحف تتكهن في ميكانيكيات وحيثيات الهروب. ولكن ما يهمنا الآن أن خطته الجهنمية للهروب قد نجحت ويعتقد أنها شملت تعاون شركات أمنية خاصة وخبراء في هذا المجال وأنفاق عدة ملايين من الدولارات. وحتما سيفقد غصن الكفالة البالغة 14 مليون دولار. وستبلغ خسارة غصن الإجمالية 20 مليون دولار.
عدد قليل في العالم لديهم هذه المبالغ وعدد أقل لديهم الجرأة والشجاعة على المجازفة والهروب ليلة عيد السنة الجديدة من بلد شديد الدقة في التنظيم والرقابة وضبط الأمور. وربما استغل غصن اهتمام اليابانيين الكبير في الاحتفال بنهاية السنة لتنفيذ خطة الهروب من اليابان.
ما يحيّر أجهزة الأمن والرقابة ان غصن استطاع ان يسافر الى مطار اوساكا مسافة 400 كم من طوكيو ويركب طائرة بومباردييه غلوبال اكسبرس يستعملها رجال الأعمال والاثرياء. نقلته الطائرة الى بيروت عن طريق اسطنبول وانتقل الى طائرة خاصة لنقله الى بيروت بعد وقفة قصيرة في اسطنبول.

في الخلاصة، قد أكون ساذجا في تخيلاتي وتمنياتي ولكن لنفترض جدلا أنه تم علاج القضايا القانونية ولم يعد غصن ملاحقا، هل سيبقى في لبنان؟
خبرته في مجال الصناعة والتجارة والاقتصاد ثمينة جدا وعلى لبنان الاستفادة من وجوده في البلد. لماذا لا يتم تعيينه وزيرا للاقتصاد او مستشارا لرئيس الوزراء او رئيس الجمهورية ومنحه صلاحيات قوية. لإحداث التغيير اللازم.
ألم ينتفض لبنان ويطالب بحكومة تكنوقراط؟ ألا يطالب اللبنانيون بحكومة تكنوقراط غير طائفية؟ كارلوس غصن قد يكون الرجل المناسب في الوقت المناسب.
أرفع قبعتي لغصن لشجاعته وجرأته.

اخترنا لكم

إغلاق