إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريدية

التهريب والرشوة والتهرب الضريبي في مرفأ بيروت

كشف الانفجار الضخم الذي وقع في ميناء بيروت الشهر الماضي عن مؤسسة على رصيف الميناء مليئة بالكسب غير المشروع الذي يقول النقاد إنه صورة مصغرة لدولة لبنانية فاسدة.

التهريب والتهرب الضريبي الجمركي والرشوة المنتشرة ليست سوى عدد قليل من الانتهاكات الشائعة في المرفأ، والتي مثل جميع المؤسسات العامة مليئة بنوع الفساد الذي أصبح من سمات النخبة الحاكمة في لبنان.

قال مسؤول قضائي سابق إن حزب الله لديه “تصريح مرور حر” هناك بسبب علاقاته بمسؤولي الجمارك والموانئ، لكنه ليس هو الوحيد.

الأحزاب السياسية الكبرى في لبنان، بما في ذلك التيار الوطني الحر، الذي أسسه الرئيس ميشال عون، وحركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري وتيار المستقبل برئاسة رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، تشترك جميعها في الغنائم، بحسب خبراء و مسؤولي الأمن.

وقال محمد شمس الدين من شركة “إنفورميشن إنترناشيونال” للأبحاث والاستشارات ومقرها بيروت: “الميناء من أكثر مؤسسات (الدولة) فسادًا، سواء في الإدارة أو في دائرة الجمارك”.

بعد الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، تم تسليم إدارة الميناء إلى هيئة عامة مؤقتة لم يتم استبدالها أبدًا. وقال شمس الدين إنها تدير الميناء حتى يومنا هذا وكأنه “شركة خاصة”.

كما هو معتاد في البلد متعدد الطوائف، تقاسمت الأحزاب السياسية اللبنانية مقاعد اللجنة السبعة فيما بينها بما يتماشى مع ترتيب أوسع لتقاسم السلطة.

سمحت الروابط المباشرة بين النخبة السياسية وأعضاء الهيئة بإدارة الميناء بنفس الطريقة الفاسدة مثل الدولة.

وقال شمس الدين لوكالة فرانس برس “لا توجد رقابة حكومية فعالة سواء على الدخل او النفقات”. “الكل يربح لأن نظام تقاسم غنائم الحكومة ينطبق أيضا على الميناء”.

خضعت إدارة الميناء لمزيد من التدقيق بعد انفجار 4 آب، الذي أودى بحياة أكثر من 190 شخصًا، وإصابة الآلاف، ومزق أجزاء كبيرة من العاصمة، مما يجعله أكثر الكوارث دموية في البلاد في أوقات السلم.

غضب اللبنانيون في الداخل والخارج عندما ظهر أن السلطات كانت على علم منذ سنوات بالمخزون الضخم من نترات الأمونيوم الذي انفجر.

بعد شهر، لا يزال من غير الواضح سبب اندلاع الحريق الأولي الذي أشعل السماد شديد الانفجار، لكن التحقيق الجاري أدى إلى اعتقال رئيس هيئة الميناء ومدير الجمارك.

رئيس الهيئة حسن قريطم مرتبط بتيار المستقبل، في حين أن رئيس الجمارك بدري ضاهر متحالف مع التيار الوطني الحر.

وأكدت مصادر متعددة لوكالة فرانس برس أن حزب الله، الذي تصنفه الولايات المتحدة على أنه جماعة إرهابية، يمارس نفوذاً كبيراً على الميناء لمساعدته في شحن واستلام شحناته الخاصة.

وقال شكري صادر، وهو قاضٍ كان يرأس مجلس شورى الدولة، وهو هيئة قانونية حكومية، إنه “من المعروف أن هناك بضائع تابعة للمقاومة (حزب الله) تمر عبر الميناء والمطار”.

وأضاف أن حزب الله يحصل على “تصريح مجاني” لنقل البضائع بفضل علاقاته مع مسؤولي الجمارك وموظفي الموانئ.

تم إدراج المسؤول الأمني في حزب الله وفيق صفا، الذي يعمل كمحاور لحزب الله مع قوات الأمن اللبنانية، على عقوبات في عام 2019 من قبل وزارة الخزانة الأمريكية لأنه استخدم شبكة العلاقات هذه لتسهيل التهريب.

وقالت وزارة الخزانة في ذلك الوقت إن “الصفا استغل موانئ لبنان والمعابر الحدودية لتهريب البضائع المهربة” بما في ذلك “المخدرات والأسلحة غير المشروعة”.

ونفى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أي تورط غير مشروع لحركته في الميناء. لكنها لن تكون الوحيدة. قال صادر إن الفساد في مؤسسة رصيف الميناء منتشر في كل مكان بحيث “لا حاجة إلى أدلة”.

وذكر تقرير حديث لوكالة أمن الدولة اطلعت عليه وكالة فرانس برس أسماء خمسة مفتشين جمركيين تقول إنه “لا يمكن استبدالهم” بسبب علاقاتهم السياسية.

وقال التقرير إن كل منهم مدعوم من التيار الوطني الحر، وتيار المستقبل، وحركة أمل وحزب الله، أو حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع.

تم بناء ميناء بيروت عام 1894، وكان مركزًا مهمًا لبلد يعتمد بشكل كبير على الواردات، بما في ذلك 85 في المائة من احتياجاته الغذائية.

وقال شمس الدين إن ما يصل إلى 70 بالمئة من واردات لبنان كانت تمر عبر الميناء قبل الانفجار، لكن جزءا ضئيلا فقط من إيراداته وصل إلى خزائن الدولة.

وقال “الباقي من المفترض أن يذهب نحو الرواتب وتطوير الموانئ … لكننا في الحقيقة لا نعرف إلى أين سينتهي الأمر”. وأضاف شمس الدين أن ما يقدر بنحو مليار إلى ملياري دولار تضيع سنويا نتيجة التهرب من الرسوم الجمركية في لبنان، ومعظمها في الميناء. لو تم جمعها، لكان من الممكن أن تذهب تلك الأموال نحو موازنة الدين العام الضخم للبلاد.

هذا الاحتيال، الذي سهله المسؤولون ذوو الولاءات السياسية الواضحة، يستفيد منه بشكل أساسي رجال الأعمال والشركات المتحالفة مع القوى السياسية.

وأشار شمس الدين إلى أن رجال الأعمال المنتسبين إلى جهات مسيطر عليها بالميناء يهربون البضائع، بما في ذلك “من خلال الجمعيات الخيرية الوهمية المعفاة من دفع الرسوم الجمركية”. “الجميع يعرف ما يحدث”.

وفقًا لتقرير الجهاز الأمني، يتلقى موظفو الموانئ على كل المستويات، وكذلك ضباط أمن الدولة، رشاوى بشكل منتظم لتسريع الشحنات أو خفض الرسوم الجمركية أو ببساطة التظاهر بأنهم لم يروها مطلقًا.

السماح للسلع الكمالية المزيفة، والتلويح بطائرات بدون طيار دون تصاريح، وتجاهل المقصورة المخفية الصارخة في حاوية: كل شيء له ثمن.

كلما كانت البضائع غير مشروعة، زادت الغنائم التي يتقاسمها بارونات الموانئ فيما بينهم.

وأشار التقرير إلى مثال على رشوة بقيمة 200 ألف ليرة لبنانية (حوالي 130 دولارًا بسعر الصرف الرسمي)، دُفعت للمسؤولين المشرفين على الدخول الرئيسي للميناء، لتسريع تخليص المركبات المستوردة المستعملة.

وقال التقرير إن مسؤولي الجمارك يتقاضون رشاوى أيضا لخفض تقييمات تلك المركبات من أجل خفض الرسوم المفروضة عليها.

قال التقرير الأمني إنه عندما تحتوي المركبات المستوردة على سلع غير مشروعة مثل الأسلحة والمخدرات، يتم رشوة المسؤولين لقصر عمليات التفتيش على التفتيش اليدوي، مما يضمن عدم العثور على البضائع.

ولكن لأكثر من عام، أصبحت عمليات البحث اليدوي هي القاعدة لأن الماسح الضوئي الوحيد في المنفذ خارج الخدمة.

وقال مسؤول جمركي طلب عدم نشر اسمه لأنه غير مخول بالحديث عن هذه القضية: “الماسح خارج الخدمة منذ أبريل 2019 بسبب عطل فني”.

وقال لوكالة فرانس برس ان الماسح “قديم جدا وتكلفة اصلاحه واستبدال اجزائه تفوق قيمتها الاصلية”. وأضاف أنه لم يتم استبداله بسبب الخلاف السياسي حول الطرف الذي سيحصل على العقد.

يوثق الصحفي الاستقصائي رياض قبيسي منذ سنوات التعاملات الضئيلة في الميناء من قبل مصلحة الجمارك اللبنانية. وقال لوكالة فرانس برس ان “الجمارك هي اكثر المؤسسات فسادا واكبر عملياتها تجري في الميناء”. وقال: “كل ما يهمهم هو بنجامين” الدولارات.

وأضاف أن التهريب وأخذ الرشوة وبيع الواردات المتروكة في المزادات المشبوهة ليست سوى عدد قليل من الانتهاكات التي ترتكبها سلطات الجمارك هناك.

في أحد مقاطع الفيديو التي نشرها القبيسي على محطة تلفزيون الجديد هذا العام، يظهر رئيس الجمارك بدري ضاهر واقفا بالقرب من حاويات من الإمدادات المنزلية في الميناء بينما كان حشد من الرجال من حوله يقدمون العطاءات، بحسب وكالة فرانس برس.

اخترنا لكم

إغلاق