إقتصاد

التطورات التكنولوجية الحديثة تسرع نمو الشركات

التطورات التكنولوجية الحديثة تسرع نمو الشركات

إن بعض ملامح الموجة الحالية للتقدم التكنولوجي جديرة بالملاحظة، فالتقنيات الرقمية للشركات تسمح بالتوسع أو الانكماش سریعا، مما يؤدي إلى طمس حدود الشركات وتحفيز أنماط الإنتاج التقليدية، وتتطور نماذج أعمال جديدة – شركات المنصات الرقمية – من شركات ناشئة محلية إلى شركات عملاقة عالمية، وفي كثير من الأحيان بعدد قليل من الموظفين أو الأصول المادية.

ويطرح هذا التنظيم الصناعي الجديد تساؤلات حول السياسات في مجالات الخصوصية والمنافسة والضرائب، فقدرة الحكومات على زيادة الإيرادات تتقلص بالطبيعة الافتراضية للأصول الإنتاجية ويتيح صعود أسواق المنصات وصول تأثيرات التكنولوجيا إلى عدد أكبر من الناس بسرعة أكبر من أي وقت مضى.

فلم يعد الأفراد والشركات بحاجة إلا إلى الاتصال بالمنصات الإلكترونية عبر الإنترنت عريض النطاق للاتجار في السلع والخدمات، هذا “الحجم بدون كتلة” يخلق فرصا اقتصادية لملايين الناس الذين لا يعيشون في البلدان الصناعية أو حتى المناطق الصناعية.

ويصل الطلب المتغير على المهارات إلى هؤلاء الأشخاص أنفسهم. فالأتمتة ترفع الإثابة على المهارات المعرفية العالية الترتيب في البلدان المتقدمة والأسواق الناشئة.

إن الاستثمار في رأس المال البشري هو الأولوية لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرصة الاقتصادية المتطورة، وتتزايد أهمية ثلاثة أنواع من المهارات في أسواق العمل، وهي: المهارات المعرفية المتقدمة، مثل حل المشكلات المعقدة، والمهارات الاجتماعية السلوكية، مثل العمل الجماعي، ومجموعات المهارات التي تنبئ بالقدرة على التكيف، مثل الاستدلال والكفاءة الذاتية، ويتطلب بناء هذه المهارات أسسا قوية لرأس المال البشري والتعلم مدى الحياة.

وهكذا أصبحت أسس رأس المال البشري، التي نشأت في مرحلة الطفولة المبكرة، أكثر أهمية، ومع ذلك، فإن الحكومات في البلدان النامية لا تعطي الأولوية لتنمية الطفولة المبكرة، كما أن نتائج رأس المال البشري للتعليم الأساسي هي دون المستوى الأمثل، ويبرز مؤشر رأس المال البشري الجديد الصادر عن البنك الدولي، والذي تم عرضه في هذه الدراسة لأول مرة، الصلة بين الاستثمار في الصحة والتعليم وبين إنتاجية العاملين في المستقبل، على سبيل المثال، فإن الارتفاع من المئين 25 إلى المئين 75 على المؤشر يحقق نموا سنويا إضافيا بنسبة 1.4% على مدار 50 عاما.

إن إيجاد فرص عمل رسمية هو السياسة الأفضل وتتماشى مع أجندة العمل اللائق لمنظمة العمل الدولية، وذلك للاستفادة من فوائد التغير التكنولوجي، وفي العديد من البلدان النامية، يبقى معظم العمال في وظائف منخفضة الإنتاجية، وغالبا ما يكون ذلك في القطاع غير الرسمي الذي لا يتاح له سوى القليل من التكنولوجيا.

إن الافتقار إلى الوظائف الجيدة في القطاع الخاص يترك الشباب الموهوبين وهم لا يملكون سوى القليل من المسارات نحو العمل بأجر، ويشكل خريجو الجامعات ذوو المهارات العالية حاليا نحو 30% من مجموع العاطلين عن العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويتيح توفير فرص تعلم أفضل للبالغين الذين تركوا الدراسة أن يعيدوا تشکیل مهاراتهم وفقا لمتطلبات سوق العمل المتغيرة.

وهناك حاجة أيضا للاستثمار في البنية التحتية، والأكثر وضوحا في ذلك الاستثمارات في الوصول الميسر التكلفة إلى الإنترنت لمواطني البلدان النامية الذين لا يزالون غير متصلين بالإنترنت، وعلى القدر نفسه من الأهمية، زيادة الاستثمارات في الطرق والموانئ والبنية التحتية البلدية التي يعتمد عليها كل من الشركات والحكومات والأفراد لاستغلال التقنيات في تحقيق أقصى إمكاناتهم ويتطلب التكيف مع الموجة التالية من الوظائف حماية اجتماعية، فثمانية من كل 10 أشخاص في البلدان النامية لا يتلقون أي مساعدة اجتماعية، و6 أشخاص من كل 10 أشخاص يعملون في القطاع غير الرسمي بدون تأمین.

وحتى في البلدان المتقدمة، فإن نموذج التأمين المرتكز على الاشتراك من المرتبات يواجه تحديات متنامية بسبب ترتيبات العمل خارج عقود العمل العادية، فما هي الطرق الجديدة لحماية الناس؟ يعد الحد الأدنى المجتمعي الذي يوفر المساندة المستقلة عن الوظيفة هو أحد الخيارات، ويمكن لهذا النموذج، الذي يشمل التأمين الاجتماعي الإلزامي والطوعي، أن يصل إلى عدد أكبر من الناس، ويمكن تعزيز الحماية الاجتماعية من خلال توسيع التغطية الشاملة التي تعطي الأولوية للأفراد الأكثر احتياجا في المجتمع.

ويعتبر وضع العاملين الصحيين المجتمعيين على كشوف مرتبات الحكومة خطوة في الاتجاه الصحيح، ومن الاحتمالات الأخرى تعميم الدخل الأساسي، لكنه غير مختبر ومقيد في الموازنة بالبلدان النامية، ومن شأن تعزيز برامج المساعدة الاجتماعية وأنظمة التأمين أن يحد من عبء إدارة المخاطر الملقى على كاهل تنظيم العمل.

فحين يتلقى الناس حماية أفضل من خلال هذه البرامج، يمكن جعل تنظيم العمل، عند الضرورة، أكثر توازنا لتسهيل التنقل بين الوظائف ولكي تستفيد المجتمعات من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا، فإنها بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يركز على ضخ مزيد من الاستثمارات في رأس المال البشري ويعمم الحماية الاجتماعية تدريجيا.

رغم ذلك، يتطلب الاحتواء الاجتماعي مساحة في الموازنة، ويفتقر العديد من البلدان النامية إلى التمويل بسبب عدم كفاية القاعدة الضريبية، والقطاع غير الرسمي الضخم، والإدارة غير الفعالة.

ومع ذلك، هناك مجال واسع للتحسين، من خلال، على سبيل المثال، تحسين تحصيل الضرائب العقارية في بلديات المدن أو فرض ضرائب على السكر أو التبغ، والأخيرة سيكون لها فوائد صحية مباشرة.

كذلك. إن فرض الضرائب غير المباشرة، وإصلاح إعانات الدعم، والحد من تجنب دفع الضرائب من جانب الشركات العالمية، وخاصة شركات المنصات الجديدة، هي مصادر أخرى ممكنة للتمويل، في الواقع، يوفر الهيكل التقليدي للنظام الضريبي العالمي فرضا للشركات متعددة الجنسيات للانخراط في تأكل القاعدة وتحويل الأرباح – أي أن بعض الشركات تخصص أرباحا أكبر للشركات التابعة لها القائمة في البلدان منخفضة الضرائب أو التي لا تفرض أي ضرائب وذلك بغض النظر عن ضعف النشاط التجاري الذي قامت به الأخيرة.

وتشير بعض التقديرات إلى أن 50% من إجمالي الدخل الأجنبي للشركات متعددة الجنسيات يسجل في الولايات القضائية التي يقل معدل الضرائب فعليا فيها عن 5%.

البلدان النامية تمضي وسط تحول تكنولوجي يغير من طبيعة العمل، ومهما كان ما يحمله المستقبل، فإن الاستثمار في رأس المال البشري هو سياسة لا ندم فيها من شأنها إعداد الناس المواجهة التحديات المقبلة، بحسب تقرير عن التنمية في العالم للعام 2019 الصادر عن البنك الدولي.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى