مقالات رأي

البطاقة التمويلية … حداً للأجور ام حداً للمعيشة؟

منذ بضعة أشهر تمت الموافقة من قبل مجلس النواب على مشروع البطاقة التمويلية التي من المفترض ان تمنح الى العائلات ذوي الطبقة الغير ميسورة بقيمة ماية وستة وثلاثون دولار اميركي تدفع بالعملة الوطنية على اساس سعر صرف السوق الموازي وبهدف مساعدة هذه العائلات على تأمين قدرة شرائية أفضل لأبسط احتياجاتها المعيشية.

من ناحية ثانية فان الحد الأدنى للأجور في اي دولة هو الحد الادني المادي الذي يجب ان يتقاضاه رب العائلة لكي يؤمن عيشه الكريم.

من هنا، فان البطاقة التمويلية والحد الأدنى للأجور يلتقيان في الهدف المرجو منهما ولكن كيف لهما ان يتباعدا في القيمة المادية.
فالحد الادنى للأجور قيمته لم تتغير منذ اكثر من عشر سنوات وهي ستماية وخمسة وسبعون الف ليرة لبنانية اما قيمة البطاقة التمويلية فهي بحسب سعر صرف الدولار الاميركي اليوم مليونين وسبعماية وعشرون الف ليرة لبنانية اي بمعدل اربعة اضعاف الحد الادنى للأجور.

وهنا السؤال كيف للمعنيين ان لا يروا المقاربة من هذا المنظار؟ هل لان الحد الادنى للاجور ليس اداة انتخابية؟ ام لان البطاقة التمويلية طرحت كي لا تنفّذ؟

في الشكل، كلاهما اي الحد الادنى للأجور والبطاقة التمويلية لا يجب ان تقرّ قيمتهما الا بموجب دراسات تعد وبالعمق من قبل لجنة المؤشر التي اصبحت غير فعالة كي لا نقول غير موجودة او مستبعدة.

نسمع بين الحين والآخر عدة افكار ومطالبات برفع الحد الادنى للاجور منها من يطالب برفعه عشرة اضعاف ومنها من يطالب برفعه الى عشرة ملايين وهذا ان دلّ على شيء فهو يدلّ على استمرار نهج دمج الوضع المعيشي الاقتصادي بالسياسة.

لا يا سادة، ليس بهذه البساطة ولا بمثل هكذا سذاجة يمكنكم ادارة ابواقكم الانتخابية، فكرامة المواطن لا ثمن لها وعيشه الكريم لا شرط له ولقمة عيشه المتواضعة لا مساومة عليها. فالحد الأدنى للأجور قيمته الفعلية وباعتراف مجلس الوزراء مئة وستة وثلاثون دولار اميركي على اساس سعر صرف الدولار في السوق السوداء؛ هذا السوق الذي ولتاريخه لا اخد يعلم من يدير منصاته وكيف يحركها ويؤثر على العرض والطلب فيها.

من هنا، لا بد ان نسرد أهم العوائق التي تقف امام اي زيادة على الرواتب اكان في القطاع العام ام في القطاع الخاص لنقوم من بعدها بطرح حلول بناءة تقوم على مراعاة الاوضاع الاقتصادية الراهنة.

ما هي اهم العوائق:
١ – لا خزينة الدولة ولا القطاع الخاص لديهم المقدرة المالية لزيادة الأعباء المباشرة، اي الرواتب.
٢ – ليس باستطاعة الشركات تحمل اعباء اضافية من اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
٣ – انعدام ثقافة ربط الراتب بالاداء والموهبة في العمل لدى القطاع العام وتغيبها في القطاع الخاص.
٤ – عدم قدرة القادة في كلا القطاعين العام والخاص على خلق جو عمل ملائم لكشف نقاط قوّة الرأس مال البشري والاستثمار به.

في هذا الإطار وبهدف مشاركة القيمين على إيجاد حلول استراتيجية لمشكلة رفع الحد الادنى للاجور من عدمه، لا بد ان نقدم خريطة طريق نحو حلحلة العوائق كخطوة اولية يمكن اعتبارها في حال تواجدت النية السياسية الغير مشروطة.

اولا” – اعادة النظر بدوام عمل القطاع العام من ناحية اما الغاء الاستراحة لساعة بعد خمس ساعات عمل لدى النساء وستة ساعات عمل للرجال ام اعتماد ساعات العمل خمس للنساء وست للرجال دون اي وقت اضافي.

ثانياً – اعتماد نفس المعيار في الدوام لدى القطاع الخاص ومن دون تقليص في قيمة اساس الراتب.

ثالثاً – مشروع قانون يرمي الى السماح للموظف بسحب تعويضه من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من دون حسم ومهما كانت عدد سنين انتسابه للصندوق.

رابعاً – استعمال المؤونات المكونة لدى الشركات بهدف تغطية كلفة تعويض نهاية الخدمة وذلك بدل فسخ عقود التوظيف لأهداف تقليص النفقات؛ المؤونات المكونة ممكن ان تستبقي الموظف لفترة اطول ومن دون زيادة النفقات بحيث ان المؤونات تكون قد احتسبت في النفقات اصلاً وذلك لكي تقف الشركات امام مسؤولياتها الاجتماعية بشكل فعلي عكس ما كانت تتباهى بفعله قبل الأزمة.

خامساً – العمل على اعلاء شأن وزارة التنمية الادارية لتصبح وزارة الموارد البشرية للقطاع العام ومن هنا نبدأ بالتغيير الحقيقي.

سادساً – حث لجنة المؤشر ان تعمل كما يجب ان يعمل القضاء، بعيداً عن السياسة، واعطاءها مهلة شهر لطرح الحلول التطبيقية.

سابعاً – طرح مشروع قانون يرمي الى اعادة النظر بتوزيع النسب المئوية التي تتوجب على الشركات جراء تسديد الاشتراكات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا سيما تلك المتعلقة بالمرض والامومة بحيث ان مبلغ الاشتراكات السنوي يصل بسقفه الاعلى الى ثلاثة ملايين وثلاثماية الف ليرة لبنانية عن الموظف الواحد وهي فعلياً اقل من كلفة السرير في المستشفى وذلك من ضمن سلة متكاملة تشمل رؤية واضحة في هذا الخصوص.

ثامناً – مشروع قانون يرمي الى عدم احتساب الساعات الإضافية والمكافآت من ضمن لواحق الراتب الخاضع لاشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومن ثم حث الشركات على الاعتماد على لواحق الراتب تحفيزاً للانتاجية.
من هنا لا بد ان نقرّ ان المرحلة الاستثنائية التي نمر بها تتطلب حلولاً استثنائية وثقافة جديدة تجتمعان على استراتيجية في الحلول بدل الترقيع.

وفي الختام نأمل ان تلقى هذه الحلول قبولاً لدى الأوساط وان لم تأخذ بها فأقله ان تعلم ان ابتكار الحلول هر المطلوب وليس الاصلاح المعلّب والجاهز غب الطلب السياسي.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى