إقتصاداخترنا لكمالنشرة البريديةمقابلات

الاقتصاد اللبناني والرقص بين الالغام

إعداد: إيناس الشوادفي

في مقابلة له عبر الفضائية اللبنانية Noursat  ناقش الدكتور إيلي الخوري الخبير والمحلل الاقتصادي وناشر موقع Banking Files الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد، والتي تعد الأولى  والأدق من نوعها في تاريخ الجمهورية اللبنانية.

أجاب الخوري عبر السؤال الأول عن أسباب تدهور الأحوال الاقتصادية حيث بات من الصعب محاولة إخفاء الحقيقة الموجعة، في ظل تفشي الفساد على كافة الأصعدة في لبنان.

الخوري: في الحقيقة، إن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان باتت من أهم المشاكل التي وضعت مصيره على المحك، ناهيك عن تداعيات تلك الأزمة على الوضع الاجتماعي الذي تخطى الخطوط الحمر. وبالعودة إلى قضية الفساد، فهو آفة اجتماعية في الأساس وله تداعيات خطيرة جدا من جهة على الوضع الاقتصادي-الاجتماعي في الداخل وعلى صورة الدولة أمام المجتمع الدولي من جهة اخرى، وبالتالي، فإنه يمكننا تشبيه الفساد بحالة سرطانية خبيثة قادرة على الانتشار والتمدد داخل الجسم.

ولا تقتصر أشكال ونمط الفساد داخل المجتمع على الممارسات البسيطة من بعض الموظفين تحديدا او المواطنين عموما، ولكنه يجب علينا البحث عن المصدر الذي ينهل عنه شتى أنواع الفساد، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حيث أن الدولة لا زالت غير قادرة على السعي بشكل جاد نحو تجفيف المنابع الأصلية للفساد.

ومن بين الأحداث العالمية التي جذبت انتباهي مؤخرا هو خبر قيام رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم بتقديم استقالته عقب تسلمه هدية بلغت قيمتها نحو 6 آلاف يورو، رغبة منه في الإبقاء على الصورة البراقة للمنتخب عالميا، وبالمقارنة مع واقع الحال في لبنان، سنجد العكس تماما، فبالرغم من انكشاف العديد من ملفات الفساد لم يقدم أحدهم على الاستقالة حتى تاريخه.

والمفارقة الكبرى تكمن في أن الأشخاص الفاسدين هم أنفسهم المطالبون بمحاربة الفساد، وهذا أمر مثير للسخرية حقا اذ أنه كيف يمكن لمسؤول رفيع بالدولة يزخر تاريخه الطويل بوقائع الفساد أن توكل إليه مهمة القضاء عليه!

اما لناحية التوظيف، فان الوضع ليس بأفضل حال حيث ان الفساد تغلغل الى آلية التوظيف، فقد كشفت الأرقام التي نشرتها الصحافة أمس عن توظيف 1156 في مؤسسة “أوجيرو” بين عامي 2017 و2018، دون العودة الى مجلس الخدمة المدنية.

سؤال: في ما يتعلق بأزمة الكهرباء في لبنان، كيف تسببت تكاليف استخدام الكهرباء على ارتفاع الدين العام؟

الخوري: يجب أن نعترف بأن الفساد والدين العام قضيتان مترابطتان، فالفساد السياسي في حد ذاته هو العامل الأساسي المؤدي إلى ظهور العجز وارتفاع حجم المديونية، وبالتالي فإن ظهور الفساد في قطاع الكهرباء وهو احد أهم قطاعات الدولة، يعد سببا مباشرا وراء تفاقم حجم الدين العام. وبالإشارة إلى مؤتمر “سيدر” فمن بين أهم التحديات التي طرحها هي وضع حد لتمويل العجز الناتج عن الكهرباء والبالغ قيمته 2 مليار دولار سنويا اضافة الى تحسين الجباية خاصة في المناطق والجزر الامنية والتي تتمتع بغطاء من السياسيين انفسهم.

سؤال: هل تعتقد أن توصيات مؤتمر”سيدر” قد بدأت تدخل حيز التنفيذ الفعلي؟ وهل يمكن أيضا اعتباره خشبة خلاص للمجتمع اللبناني؟

الخوري: أعتقد أنه من الحري وصف “سيدر” بسيف ذو حدين، فإذا حرصت الدولة على تطبيق توصيات المؤتمر بطريقة صحيحة فسوف تنجو من غمار الأزمة الاقتصادية، أما إذا أخفقت، فسيكون هناك تداعيات كارثية تنعكس على المجتمع ككل.

تجدر الإشارة إلى ان المؤتمرات السابقة لسيدر والتي استهدفت ايضا حل الأزمة الاقتصادية في لبنان اي “باريس 1″ و”2″ و” 3″ قامت على الهبات من الدول الكبرى المانحة آخرها في عام 2007 حيث فرضت على الدولة اللبنانية قائمة من الإجراءات الإصلاحية والتي يجب تطبيقها، انما للاسف تمكنت الدولة من تحقيق 26 بند من أصل 117 أي نحو 22% وبالتالي تم حجب نصف قيمة المنحة اي 3.5 مليار دولار.

أما عن “سيدر” وخلافا لسابقاته فقد ارتكزت فكرته على قيام الدول الكبرى بتقديم قروض بفوائد ميسرة وليس منح، وذلك على مرحلتين بقيمة 11.6 مليار دولار خلال المرحلة الأولى و5 مليار خلال المرحلة الثانية.

وعليه فإذا نجحت الدولة في إدارة وتوجيه سيدر على نحو سليم من خلال تطوير البنى التحتية وخلق المزيد من فرص العمل فسوف يرتفع الناتج الإجمالي المحلي إلى نحو 8% وبالتالي تنخفض المديونية وينخفض العجز في الموازنة العامة والبالغ 6 مليار دولار وينتعش الوضع الاقتصادي بوجه عام، أما إذا حدث تنازع وتحايل بين وزارات الدولة حول قيمة الموازنة المرصودة لكل منها من أموال سيدر ، فستكون العواقب وخيمة.

سؤال: ما هي قراءتك للمستقبل وبخاصة أن كثرة المؤتمرات لا توحي بالتفاؤل من وجهة نظر الكثيرين الذين أصابهم الملل من الوعود الزائفة والأحلام الوردية.

الخوري: أنا أؤمن حقيقة بالقول الشهير “اللجان مقبرة المشاريع” حيث أنه في كثير من الأحوال يتم تشكيل اللجان بصورة نمطية جدا، حيث تتألف في العادة من نفس الأشخاص غير الجديرين بالثقة مع الاستبعاد التام لدور المجتمع المدني، الأمر الذي أدى في الأخير إلى تراجع لبنان في مؤشر التصنيف العالمي.

سؤال: ما تعليقكم على تصريح نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، “على الرغم من بدء الحكومة اللبنانية في تنفيذ البنود الإصلاحية إلا أنها لا ترتقي إلى المستوى المطلوب”.

الخوري: نظرا لصعوبة الفصل بين الاقتصاد والسياسة، فقد يكون من بين الأمور المبشرة بالخير في “سيدر” هو الإسراع والضغط في تشكيل الحكومة خوفا من تحويل أموال سيدر الى بلدان اخرى. غير ان الحكومة قد أخطأت في استبعاد الاكاديمين والاقتصاديين عن المشاركة في وضع استراتيجية للخروج من الأزمة الاقتصادية واستئثار الطبقة السياسية بوضع الحلول بحسب أجندتها ومصالحها التي تخدم جمهورها وليس الجمهورية.

ان الوضع الراهن ينذر بالقلق، فحتى الآن لم نلمس أي خطوات عملية تصب في اتجاه الإصلاح وكبح جماح الفساد، سوى ما قد أعلن عنه وزير المالية من وقف الإعفاءات على التعرفة الجمركية، فأين نحن إذن من الإصلاحات الخاصة بملف الكهرباء وأين قضية المعابر غير الشرعية، كما أن ملف التوظيف العشوائي وإعادة النظر في ملف سلسلة الرتب والرواتب التي شكلت فضيحة لناحية الفارق الذي ناهز المليار دولار بين تقدير الحكومة البالغ 800 مليون والواقع أي 1.8 مليار دولار هذا على سبيل الذكر وليس الحصر.

ختاما أن الوضع الاقتصادي المالي العام غير مطمئن لا بل مقلق للمواطن اللبناني، كما أنه لا يبعث ايضا بأي إشارات ايجابية بالنسبة للجهات المانحة الأمر الذي قد يحول دون تحقيق الآمال المعلقة على الحكومة عامة وأموال “سيدر” خاصة.

 

 

اخترنا لكم

إغلاق