دولياتمقالات رأي

الأستراتيجية الامريكية الجديدة: كل دولة لنفسها!

من ولاية أوباما الثانية في الحكم إلى انتخاب ترامب استمرينا في سماع جدل مستمر في السياسة الخارجية الأمريكية: إن الهيمنة الأمريكية في حالة تراجع حيث تمثل كلتا السياستين انحرافًا. المؤسف في هذه المناقشة هو أن كلا الحجتين ، سواء كانت “القيادة من الخلف” أو “جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” لم توفّرالبنية الصحيحة للنقاد التي تناسب نوع الحقبة التي نعيش فيها: التغيير.
ساهم أوباما بإخماد الحروب بينما ترامب يقدم المصالح الاقتصادية. فبدءًا من لحظات ما بعد الحروب دخل العالم حقبة جديدة ليست كما اعتدنا عليها حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فهذا الزمن ولّى. إن قوة تدخل المجتمع الدولي وسيادة الدول والمعركة الكبرى من أجل القيم العالمية قد انتهت. هكذا ارى عالم القوى العظمى آتٍ. هل ما زالت أمريكا دولة هيمنة استثنائية؟ قطعا نعم! لكن أمريكا تحولت إلى صانع سياسة أكثر قوة عبر العالم..
بعد انتخاب ترامب ومناقشات ما بعد بريكست ، توصلت إلى تعريف القيادة الأمريكية في عالم العولمة. لقد ابرزت أمريكا اهمية الانفتاح الاقتصادي والإدارة المشتركة والأمن الاقتصادي للعالم. كان العالم كله متصلاً. لم تنحدر أمريكا إلا أنها أبرمت صفقات قوية جعلت فيها منافسيها أقوى. وقد ضمنت لنفسها الشركات المربحة ولكن جعلت الشركات الأجنبية مربحة اكثر. لقد بنت الولايات المتحدة أمة عظيمة في الداخل ولكن جعلت ايضا الدول الأخرى أكبر. لقد حولت “الآخرين” الى عظماء ولكن ايضا “ركاب مجانيين” حيث انتفضوا حروبها بنتائجها بدلاً من أهدافها … إنها لحظة الصحوة. انها لحظة إنهاء الحالمين القدامى. فإن إعادة اختراع أمريكا سوف تبني حالمين جدد، وأمة أكبر، وصفقات أكثر قوة. أمريكا لم تفقد السيطرة. كان هناك فن في كل إستراتيجية تمّت على تصميمها:.
لقد أدت عقود عزل إيران إلى إضعاف إيران في جسدها الأساسي من خلال عيشها على الاكتفاء الذاتي. إن ارتفاع قيمة العملة في الصين واعتمادها على الإنتاج التصديري فقط أدى إلى نقص كبير في الإنفاق حيث لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالإنتاج الصناعي في ظل الثورة التكنولوجية الجديدة. العالم العربي ما زال يكافح من أجل استعادة السيطرة الجيوسياسية بعد أكثر من عقد على دخول حرب المنطقة. تقع روسيا بين الإنفاق العسكري في سوريا مقابل الإنفاق الاجتماعي والثقافي والبيئي والاقتصادي داخل حدودها. بكلمات بسيطة ، لقد غيرت أمريكا قواعد اللعبة. “هل تريد أن تكون حالما؟ تعال الينا مرة اخرى!” ان الاستراتيجية الكبرى المفاجئة لترامب هي انه لم يعد هناك فهم اورثوذوكسي للديمقراطية. ذلك هو التحول الكبير في العالم:
لن يكون هناك تضحيات أخلاقية. لم تعد الولايات المتحدة شرطة العالم والدول والقادة الآخرين. وداعاً لعصر بناء الأمم . سيفتتح الفصل الجديد الذي دشنه ترامب بفصل الفائزين عن الخاسرين، وسيخلق مبدأ “كل دولة لنفسها” وانعدام الأمن الاقتصادي وعالم يتجاوز التجارة والأعمال التجارية. إنه عالم به العديد من الأبعاد التكنولوجية. لم نعد نعيش عصرًا تقليديًا. هل لمح أي شخص في المملكة العربية السعودية بعد الانقلاب و الثورة احتكاك مع الناس الشوارع ، وحتى كمية ضئيلة من سفك الدم؟ انها التكنولوجيا السياسية أيضاً.
انه عالم “نحن ضدهم”، عالم انعدام الامن العالمي ما بعد نافتا وبركسيت وحتى الناتو..
بينما يستمر الناس في استهداف فشل أميركا في حرب العراق ، لا أزال أرى أن الحرب لم تنته بعد ولَم تفشل امريكا على الإطلاق. تستمر المعارك الصغيرة الجارية وإعلان الحرب الجديدة الحتمية والضرورية لم تأتي بعد. نحن مقدمون على استقلال اقتصادي كبير من شأنه أن يقسم الجهات الإقليمية والعالمية الفاعلة. لقد عادت أمريكا باعتبارها الخط الصلب، متحررة من الخطب القديمة، أقل إيديولوجية، وأكثر تمركزًا اقتصاديًا.
لقد أمضى العالم كله عقوداً من التشتت الناعم وركود رأس المال البشري. فقط الأسرع والأقوى والأصلح والواقعي سيكون الفائز. فالفصول القادمة الجديدة لم تعد تعتمد على استراتيجيات طويلة الأجلّ. انها سياسة العصي والجزر. انه العقاب آتٍ لأولئك الذين يعتقدون أن الحضارة الإجماعية هي فقط التي تسود. ليس من الرائع أن نحمل الأخبار السيئة، لكن مات عصر السياسة. الحرب هي الاقتصاد، والاقتصاد هو الديمقراطية. ذهب عصر الدبلوماسية وانته عصر القادة.
لنكن مستعدّين لظهور عناصر جديدة ستحيط بنا. سنشهد تقليصًا للقيم الكونية. المخطط الاقتصادي لم يعد حسابًا بسيطا” قابلاً للتنبؤ. سيتم قريبا تسليط الضوء على تذبذبات الرسم الصغير في مصلحة من المستعدون لصناعة السياسات الملائمة . ماذا عن الدول الغير مستعدّة؟

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى