إقتصادمقالات رأي

اقتصادات مجلس التعاون الخليجي: أكثر من مطرقة وأكثر من سندان

الانسان الذي يقف على قدم واحدة لفترة طويلة قد يصمد لبعض الوقت ولكنه سيصاب حتماً بالوهن بعد ذلك، مما يحتم عليه إيجاد الحلول الممكنة لتفادي مضاعفات وضعه. هذه حال اقتصادات دول مجلس التعاون التي تعتمد بشكل كبير على مورد وحيد، ألا وهو النفط. وصحيح ان تلك الدول لم تعرف خلال العقود الماضية سنوات عجاف جراء التراجعات المتكررة في أسعار سلعة حيوية تنتجها لكي تعيل مواطنيها وتقدم لهم الحياة الأفضل بين دول العالم، إلا ان الأمر قد اختلف الآن؛ فالتحديات التي تواجهها منذ عقدين أو أكثر من الزمن- وإن تشابهت- قد تضاعفت عدداً وازدادت حدة وتأثيراً.

فدول المجلس لم تعد تلك الدول التي كانت تتصرف حكوماتها كالأب الحنون الذي يوفر لولده المدلل كل ما يطلبه ويؤمن له رغد العيش والرفاهية غير المشروطة. فالعائلة الخليجية كبرت وتنامت وأتت بالأحفاد وأبناء الأحفاد، والأب، إما لم تعد ايراداته كما في السابق، أو جاء من ينافسه على عمل أو انتاج سلعة كان له فيها الميزة النسبية.

كانت هذه الدول تقوم في السابق، وبناء على نصائح داخلية وخارجية بمحاولات – ربما خجولة – للتنويع الاقتصادي بعيدا عن موردها الوحيد النفط وذلك كلما هوت أسعاره الى ما دون المستوى الذي يكفي لتمويل و”تموين” العائلة الخليجية وتوفير بعض المدخرات للأجيال القادمة. لكن مع تحسن أسعر النفط، كانت تلك الدول تعود الى مستوى الانفاق الذي كانت عليه أيام البحبوحة المالية واضعة الدراسات والأفكار السابقة لتنويع مصادر الدخل في الخزائن وعلى الرفوف. إلا أن الأمر اختلف اليوم كثيراً، فالتحديات الداخلية والخارجية في تعاظم مستمر وآثارها الاقتصادية والمالية والاجتماعية لم تعد تحتمل. فلا انتاج النفط عاد يكفي لمصروف العائلة والتوفير منه، ولا المتطلبات الحياتية والإنمائية والسكانية استقرت عند حد، حتى اضطرت هذه الدول الى الاستدانة من الخارج لسد العجز في ميزانياتها.

سابقاً، كان يقال ان اقتصادات دول مجلس التعاون هي بين مطرقة أسعار النفط وسندان التنمية والتنويع الاقتصادي، أما في الوقت الراهن يبدو أن هناك أكثر من مطرقة وأكثر من سندان. أولى التحديات هي تقلبات أسعار النفط، وليس آخرها الضغوط الغربية على الدول المنتجة، وبخاصة من الدول الصناعية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، لتوفير الامدادات الكافية من النفط للحفاظ على أسعار مقبولة أو منخفضة لأسواقها. ولا يخفى ظهور منتجين جدد على الساحة النفطية العالمية وارتفاع المنتجات من النفط الصخري. أضف الى تلك التحديات الارتفاع غير المسبوق في عجوزات الميزانيات الخليجية جراء تراجع أسعار النفط، عدم النجاح في مساعي التنويع الاقتصادي، النمو السكاني المتزايد والحاجة الى خلق فرص عمل لمخرجات التعليم، تعثر القطاع الخاص في التموضع الصحيح في الاقتصاد والمساهمة في دفع عجلة النمو الاقتصادي، تدني حجم تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر، ارتفاع مستويات الدين الخارجي، الخلافات داخل البيت الخليجي الواحد والتأثيرات الجيوسياسية المحيطة، هذا فضلا عن الضغوط المتنامية من صندوق النقد الدولي لتخفيض مستوى الدعم الذي تقدمه الحكومة لموطنيها وإعادة تسعير بعض الخدمات والمنتجات البترولية.

يبقى التنويع في مصادر الدخل ملحاً وضرورياً، وهو الحل، وليس المدخل الى الحل، في ضل تنامي التحديات وتعاظم تأثيراتها السلبية. ولكن ليس أي نموذج من التنويع، بل ينبغي ان يكون مدروسا بدقة ومحددا وأن يكون موجها نحو قطاع أو قطاعات محورية يكون لتلك الدول فيها ميزة نسبية. وعليه، حيث ان المشاريع التنموية الراهنة مثل اكسبو 2020 في دبي أو كأس العالم 2022 في قطر او غيرها هي مشاريع ظرفية وتأثيراتها التنموية والاقتصادية قد تمتد فقط لأجل قريب أو متوسط في أفضل السيناريوهات.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى