إقتصاد

اتجاه هبوطي لعائدات السندات بالربع الثاني والإصدارات الخليجية تسجل مستوى قياسياً جديداً

واصلت عائدات السندات العالمية المعيارية تراجعها في الربع الثاني من العام 2019 في ظل استمرار التوترات التجارية واتباع البنوك المركزية لسياسات نقدية تيسيريه، هذا إلى جانب المؤشرات الواضحة على تباطؤ النمو الاقتصادي. وتبعت عائدات السندات في دول مجلس التعاون الخليجي خطى نظيراتها العالمية حيث شهدت تراجعاً حاداً فيما يعزى جزئيا لزيادة الطلب نتيجة للانضمام إلى مؤشر سندات الأسواق الناشئة. ويبدو أن المستثمرين لم يتأثروا إلى حد ما بالتوترات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الخليج وذلك على الرغم من انه في حالة حدوث تصعيداً جديداً أو هبوط في أسعار وعائدات النفط قد يتعرض الوضع المالي للخطر بما يشكل مخاطر سلبية على أسواق الدخل الثابت في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي ذات الوقت، سجلت إصدارات أدوات الدين الإقليمية رقماً قياسياً قدره 40 مليار دولار في الربع الثاني من العام 2019، والتي غلب عليها الإصدارات السيادية وشبه الحكومية بصدارة السعودية.
تراجع عائدات السندات الدولية وسط تصاعد التوترات التجارية وخفض الفيدرالي للفائدة
أدت التوترات التجارية المستمرة والبيانات الاقتصادية الضعيفة نسبيا وانخفاض معدلات التضخم وتوقعات خفض أسعار الفائدة إلى تراجع عائدات السندات العالمية المعيارية في الربع الثاني. والتي جاءت في مقدمتها سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات حيث شهدت أعلى معدل تراجع، مسجلة انخفاضاً بواقع 41 نقطة أساس على أساس ربع سنوي وصولاً إلى 2.00% بنهاية الربع الثاني. وأدى ذلك إلى انعكاس منحنى العائد بشكل أكثر وضوحاً بفارق كبير بلغ 12 نقطة أساس بين عوائد السندات المستحقة خلال 3 أشهر وتلك المستحقة بعد 10 سنوات، واتسع هذا الفارق ليصل إلى 32 نقطة أساس مع هبوط العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوياته المسجلة منذ ثلاثة أعوام، لتبلغ 1.68% كما في منتصف أغسطس.
يدفع مزيج من العوامل من ضمنها ضعف معدلات التضخم والمخاوف المتعلقة بآفاق النمو الاقتصادي بسبب التوترات التجارية إلى اضافة المزيد من الضغوط على عائدات السندات طويلة الأجل في المستقبل، إلا ان سياسة الاحتياطي الفيدرالي ستكون الأكثر تأثيراً. فعلى الرغم من قيام الفيدرالي بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يوليو كما كان متوقعاً، إلا انه أشار أيضاً إلى أن تلك الخطوة لا تمثل بداية لدورة تيسيريه أوسع نطاقاً. وقد يؤدي اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي لموقف أكثر حيادية إلى وضع حداً لتراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية على المدى القريب إلى المتوسط وذلك على الرغم من تسعير أسواق العقود الآجلة للأصول على أساس توقع خفض أسعار الفائدة ولو لمرة واحدة اخرى على الأقل هذا العام وسط تصاعد وتيرة النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين.
وفي ذات الوقت، تسبب ضعف النمو في منطقة اليورو، لا سيما تراجع قطاع الصناعات التحويلية والصادرات في ألمانيا بضغط من ضعف بيئة العمل في القطاع الخارجي، في تحول العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات لتسجيل أداءً سلبياً، حيث انخفض بمقدار 25 نقطة أساس على أساس ربع سنوي ليصل إلى -0.33% بنهاية الربع الثاني – أقل حتى من اليابان – وتسارعت وتيرة هبوط العائد ليسجل -0.61% بحلول منتصف أغسطس. وقد ساهم البنك المركزي الأوروبي في هذا التراجع نظراً لتبنيه سياسية نقدية تيسيريه بنحو متزايد بما يعزز إمكانية خفض سعر الفائدة والتفكير في إعادة برنامج التيسير الكمي مجدداً. كما تعرضت السندات البريطانية لانخفاضات حادة نسبياً (-25 نقطة أساس إلى مستوى قياسي جديد بلغ 0.5%) في ظل حالة عدم اليقين المحيطة بانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي واستقالة رئيسة الوزراء تيريزا ماي وتولي بوريس جونسون المتشدد تجاه مغادرة بلاده للاتحاد زمام السلطة. وأخيراً، فقد كانت عائدات سندات الحكومة اليابانية هي الأقل تأثراً بالأحداث العالمية السلبية، حيث انخفضت بواقع 7 نقاط أساس فقط على أساس ربع سنوي.
عائدات السندات الخليجية تشهد تراجعاً أكثر حدة
شهدت عائدات سندات دول مجلس التعاون الخليجي تراجعاً أكثر حدة من نظيراتها العالمية بصفة عامة في ظل تأثرها بعوامل مماثلة، بالإضافة إلى ان عائدات السندات الخليجية لديها نقطة انطلاق أعلى، بدعم من تجاوز سعر مزيج خام برنت 75 دولاراً للبرميل في منتصف الربع الثاني من العام (إلا انها تراجعت منذ ذلك الحين) وإدراج السندات الخليجية ضمن مؤشر السندات العالمي.
وقد تراجع عائد السندات الخليجية متوسطة الأجل (آجال 7-8 سنوات) فقد تصدرت سندات كل من السعودية والكويت وأبو ظبي بانخفاضات قدرها 65 و61 و 60 نقطة أساس على التوالي في الربع الثاني. وقد يكون الطلب على أدوات الدين السعودية قد عززه تدشين المملكة لتداول السندات والصكوك من خلال السوق المالية السعودية “تداول” في أبريل الماضي، في حين عزز سوق الدين الإماراتي قيام الحكومة بسن قانون الدين العام في أواخر العام 2018 وإنشاء مكتب ادارة الدين العام، وهو الأمر الذي أدى إلى تحسين اللوائح المنظمة وتسهيل الوصول إلى السوق وزيادة مستوى الشفافية. أما بالنسبة للكويت، فقد عزز تصنيفها الائتماني القوي وانخفاض مستويات الدين الحالية من تراجع عائدات السندات فيما يعزى جزئياً لغياب الإصدارات الجديدة. وكانت العائدات العمانية هي الأقل تغيراً، حيث تأثرت بتأخر تطبيق الإصلاحات وتوقع زيادة التحديات المتعلقة بالوضع المالي للسلطنة مقارنة ببعض أقرانها من دول مجلس التعاون الخليجية الأخرى.
كما ساهم ايضاُ في تعزيز الطلب الإقليمي الإدراج الوشيك للعديد من دول مجلس التعاون الخليجي ضمن مؤشر جي بي مورجان لسندات الأسواق الناشئة. وفي ظل تقديرات وصول قيمة الأصول المدارة إلى 300 مليار دولار وتخصيص وزن مرجح بنسبة 11.3% للسندات الخليجية ضمن المؤشر، تشير التقديرات إلى إمكانية تدفق حوالي 30 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية إلى سندات المنطقة، مع تركيز أكثر من نصفها لأسواق الدين الأكبر مثل السعودية وقطر.
ومستقبلياً، يتوقع أن تواصل عائدات السندات في دول مجلس التعاون الخليجي تأثرها بعائدات السندات العالمية، والتي تراجعت على خلفية مخاوف النمو كما أسلفنا الذكر. إلا انه على الرغم من ذلك، قد يكون تراجع عائدات السندات الخليجية محدوداً إذا تسبب ضعف النمو العالمي في انخفاض أسعار النفط، بما يعني وجود عجز مالي أكبر وزيادة متطلبات التمويل . هذا بالإضافة إلى مساهمة تصاعد التوترات الجيوسياسية الإقليمية المتعلقة بإيران في التأثير على عائدات السندات الخليجية.
مستوى قياسي جديد لإصدارات السندات في المنطقة خلال الربع الثاني من العام 2019
ارتفعت قيمة إصدارات سندات دول مجلس التعاون الخليجي وذلك في ظل تراجع العائدات لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 40 مليار دولار في الربع الثاني من العام 2019، متخطية بذلك أعلى مستوياتها المسجلة في الربع الأول من العام 2019 بقيمة 32 مليار دولار بما يشير إلى أداء سنوي قوي للعام 2019.
وارتفع إجمالي الديون القائمة (الخارجي والداخلي) إلى 501 مليار دولار بنهاية الربع الثاني مقابل 478 مليار دولار في الربع الأول. وجاءت الإصدارات الحكومية وشبه الحكومية في الصدارة، وكان تمويل الاستثمارات الاستراتيجية من قبل صناديق الثروة السيادية والشركات المملوكة للدولة من المحركات القوية. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون ارتفاع حجم الدين المستحق قد ساعد في زيادة الإصدارات الجديدة، حيث من المقرر استحقاق أجل سندات بقيمة تقارب 43 مليار دولار في العام 2019، من ضمنها 28 مليار دولار مستحقة السداد في أوائل أغسطس.
وجاء الجزء الأكبر من إصدارات الربع الثاني من السعودية بقيمة 26.8 مليار دولار، بما في ذلك اصدار شركة أرامكو السعودية بقيمة 12 مليار دولار، حيث تتطلع الشركة إلى ترسيخ علاقتها بالمستثمرين الدوليين قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام في العام 2021 إضافة إلى تخطيطها لشراء حصة في الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك). كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن سلطنة عمان قد استغلت أسواق الدين العالمية للمرة الأولى هذا العام في يوليو من خلال إصدارها الناجح لسندات بقيمة 3 مليارات دولار على الرغم من المخاوف المتعلقة بوضعها المالي. وفي ذات الوقت، ارتفعت إصدارات سندات الشركات المالية في المنطقة بدعم من النمو لعمليات الدمج والاستحواذ، وخاصة في الإمارات والسعودية.
ونظراً لانخفاض تكاليف الاقتراض العالمية والإقليمية، والتي قد تتجه لتسجيل المزيد من التراجع، من المقرر ان تظل إصدارات السندات قوية خلال الفترة المتبقية من العام. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال اقبال المستثمرين الأجانب على السندات الإقليمية قوياً، كما تساهم الميزانيات الخليجية التوسعية والتراجع الذي شهدته أسواق النفط مؤخراً في حال استمراره في دعم احتياجات الاقتراض لدول مجلس التعاون الخليجي. بحسب الموجز الاقتصادي لبنك الكويت الوطني.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى