دولياتمقالات رأي

إلى أفريقيا در…صراع الفيلة الاقتصادية في القارة السمراء

الصراع في القارة الافريقية وعليها لم يكن ، يوما، الا صراعا على ثرواتها الطبيعية، على الرغم من محاولة الباسه لبوس محاولة تمدين شعوبها او تبشيرهم او حرفه باتجاه صراعات قبلية او اثنية لا تنتهي. ولقد وعت الدول الاوروبية المستعمرة، باكرا، الاهمية الاقتصادية للقارة السمراء، وطمعت في ثرواتها الطبيعية الهائلة والسهلة المنال، فدخلت في سباق محموم للسيطرة على اكبر مساحات ممكنة من اراضيها، تحت حجج واهية في اغلب الاحيان، كانت سببا من اسباب اندلاع الحرب العالمية الاولى، بعد ان سدت في وجه القوى الصناعية الصاعدة اسواق المواد الاولية وتصريف الانتاج على حد سواء.

ولم تنكفىء الدول الاوروبية عن مستعمراتها، الا مرغمة، غداة الحرب العالمية الثانية مع نشوء منظمة الامم المتحدة ومفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها، دون ان يمنع ذلك استمرار وجودها الثقيل في تلك المستعمرات من خلال ابرامها اتفاقيات تعاون وحصولها على امتيازات واحتكارات، في شتى الميادين، او من خلال الابقاء على وجود عسكري للتدخل السريع، عند الضرورة، داخل قواعد عسكرية، مقابل منح هذه الاخيرة ” استقلالا ” زاد من هشاشته تناسل الانقلابات العسكرية التي غالبا ما كانت تقف وراءها القوى الاوروبية العظمى، او ايصال من يدينون لها بالولاء الى سدة المسؤولية.

إنتقال التنافس من الشرق الاوسط الى افريقيا
خفتت حدة النزاع على النفوذ الاقتصادي في الشرق الاوسط ،الذي كان محور الصراع العالمي خلال القرن الماضي، بعد ان دخلت دوله دوامة الحروب الاهلية والدولية والصراعات المتعددة الاوجه والاتجاهات، وبعد ان بدأ الضمور يصيب ثرواته الطبيعية. فلم يعد يستقطب اهتمام الدول الصناعية الكبرى اللاهثة دوما وراء الموارد والثروات في اي بقعة من كوكبنا الصغير، والتي يممت وجهها خلال العقد الثاني من الالفية الثالثة نحو افريقيا الغنية، بالموارد والثروات الطبيعية غير المستغلة، والقليلة السكان الذين يتلهفون لقدوم اي مستثمر او اجنبي لانتشالهم من الفقر وتبديل ظروفهم المعيشية القاسية وخلق النمو.
وجدت القوى الاقتصادية العالمية في القارة السمراء ضالتها ومتنفسها للحصول على المواد الاولية بأبخس الأثمان. فثمة أراض زراعية بكر وخصبة جدا، ومياه وفيرة، وثروات نباتية وغابية ومنجمية ونفطية ومعدنية لا تحد، فضلا عن توفر اليد العاملة الزهيدة الثمن والمستعدة للعمل في أي مجال وتقديم اي شيء لقاء الحصول على الطعام، ناهيك عن وجود حكام فاسدين لا يتاونون عن منح اي امتيازات او استثمارات لمن يحول لهم الاموال الى حساباتهم في الخارج. وكان من جراء ذلك ان قفزت الاستثمارات الاجنبية من 33 مليار دولار عام 2002 الى 128 مليارا عام 2016 وصولا الى 180 مليار دولار نهاية عام 2017، وفق الاحصاءات الصادرة عن منظمة التجارة والتعاون الاقتصادي الدولية والبنك الافريقي للتنمية. وقد تركزت الاستثمارات الاجنبية في الصناعات التحويلية والنقل والاتصالات والبنى التحتية والطاقة والكهرباء والتكنولوجيات الحديثة واستخراج المعادن والتنقيب عن النفط والغاز والمواد الاولية…

صراع الفيلة الاقتصادية
يسيطر على تلك الاستثمارات الضخمة عدد محدود من الدول التي تسعى لكسب المزيد من مناطق النفوذ والاحتكار. ووفق تقرير اعد منذ ثلاث سنوات استحوذت القارة السمراء على 80 بالمئة من حجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة على مستوى العالم، حيث تمتلك الولايات المتحدة الاميركية فيها 93 مشروعا تليها المملكة المتحدة ب 76 مشروعا ففرنسا ب 53 والامارات ب 45 والمانيا ب 73 والهند ب 37 والصين ب 32 وكينيا ( خارج حدودها) ب 32 وجنوب افريقيا ( خارج حدودها) ب 28 واللوكسمبورغ ب 16 مشروعا . كما تملك دول أخرى بينها تركيا واسرائيل 256 مشروعا استثماريا في افريقيا ليبلغ مجموع المشروعات الاجنبية بدول القارة 705 مشاريع.
تعتبر جنوب افريقيا الجاذب الاكبر للاستثمارات الاجنبية بواقع 118 مشروعا تليها كينيا ب 85 ثم المغرب ب 71 فمصر ب 59 ونيجيريا ب 51 مشروعا. وتحتل الصين المرتبة الاولى بقيمة المشاريع الاستثمارية الاجنبية في افريقيا والتي بلغت قيمتها حتى نهاية عام 2017 اكثر من 200 مليار دولار، في حين تبلغ قيمة مشاريع الولايات المتحدة الاستثمارية اكثر من 100 مليار دولار، تليها الهند بقيمة 70 مليار دولار والتي تتجاوز قيمة استثماراتها استثمارات فرنسا والمملكة المتحدة مجتمعتين، اذ تستثمر كل منهما مشاريع بقيمة 30 مليار دولار. وهكذا نجد أفول نجم الامبراطوريتين الاستعماريتين التقليديتين حتى في الدول التي كانت بمثابة الفناء الخارجي لهما، مفسحتسن المجال امام القوى الاقتصادية العملاقة لدخول المعترك الدولي.

مغريات بالجملة
ويبقى السؤال الذي يطرح: ما هي المغريات التي تقدمها القارة السمراء لعمالقة الاقتصاد؟
يكفي ان نعلم ان القارة الافريقية ما تزال قارة بكر، وما جرى من استغلال عشوائي ونهب منظم لثرواتها وخيراتها لم يرتق الى مستوى التهديد الاستراتيجي لمواردها، ولم يمس مخزوناتها المائية الجوفية ولا انهارها الغزيرة الثلاثة عشر، كما انها تمتلك تربة هي من الاخصب في العالم وتتمتع بمستويات قياسية من الهطولات المطرية. وتقول منظمة غرينبيس ان انشاء محطات لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية على 2 بالمئة من مساحة الصحراء الكبرى يكفي لتأمين حاجة الارض كلها من الكهرباء! هذا فضلا عن احتواء باطن القارة على كميات كبيرة من اليورانيوم ، يتجاوز ثلث الاحتياطي العالمي، وتستحوذ على نسبة تتجاوز ال 18 بالمئة من انتاجه العالمي، كما انه من بين 50 معدنا هاما ونادرا في العالم، من المعادن التي تعتبر اساسية للصناعات التكنولوجية والالكترونية الحديثة وتدخل في صنع مكوناتها، ثمة 17 معدنا منها في افريقيا وباحتياطات ضخمة جدا. أضف الى ذلك تعطش ال940 مليون نسمة من سكانها الى كل شيء تقريبا، من بنى تحتية وانفاق وجسور وموانىء ومطارات وسكك حديد ومواد غذائية… ما يجعلها سوقا استهلاكية ضخمة تفتح شهية اصحاب الرساميل والاستثمارات.
افريقيا هي الموطن الاكبر للفيلة في العالم، وعلى ارضها تتصارع الافيال الاقتصادية الكبرى، وثمة مثل أفريقي يقول: ” عندما تتصارع الفيلة يموت العشب”. ألا وقى الله شعب افريقيا شر الصراعات والحروب والمؤمرات الدولية التي تحوكها لهم تلك الفيلة اللاهثة وراء أكلها بشراهة!
خليل جرجي الخوري

اخترنا لكم

إغلاق