مصارفمقالات رأي

أين ذهبت الـ “٢٢ مليار دولار” ؟! مغامرات في المحاسبة الجنائية …

نشر باللغة الإنكليزية على موقع جريدة النهار الإلكتروني وننشره مترجما" بأذن من الكاتب

حصلت يوم الاثنين الماضي، على جدول إكسل (Excel)، من شاب ذكي سأطلق عليه اسم م.ج. تخرج منذ بضع سنوات من الكلية،وقد التقيت به في العام الماضي خلال محاضرة مُثيرة للجدل في الجامعة الأميركية في بيروت.
كانت قاعة المحاضرات ممتلئة ، الذي كان غريباً لموضوع تقني كهذا. واكتشفت لاحقاً سبب ازدحام القاعة، لأن الجامعة تلقت عدة مكالمات هاتفية من شخصيات مهمة لمحاولة إلغاء المحاضرة، ولكنها رفضت بشجاعة، وكانت عواقب هذا الرفض غير مقصودة تمامًا، حيث خلقت مزيد من الحماس والفضول لمثل هذا الموضوع الذي قد يبدو مملا، فامتلأت القاعة لدرجة أنهم اضطروا إلى استخدام الغرف الأخرى التي تم بث المحاضرة فيها من خلال الدوائر التلفزيونية المغلقة.
في رسالته، قال م.ج. إنه لاحظ تغيرًا كبيرًا في الودائع في آخر ميزانية عمومية، نشرها البنك المركزي اللبناني.

منحنى بياني لتطور القروض للقطاع المالي


أفضل مُحاسب (لا يعمل بالمحاسبة) أعرفه، هو مايكل ميلكن، الذي كان لديه القدرة الغريبة على كشف الاحتيال أو المشاكل في الشركات عن طريق فحص بياناتها المالية، دون مقابلة أي شخص من تلك الشركة أو حتى أن يذهب بنفسه إلى هناك. أما أنا، فأنظر إلى المسائل المحاسبية على نحو مشابه لما قاله القاضي بوتر ستيوارت عن المواد الإباحية، “لا أستطيع أن أُعرِّفُها، لكنني أَعْرِفها عندما أراها”.
معظم الأرقام التي رأيتها في ملف الإكسيل، لم تتغير بشكل مريب من التقرير الأخير، مثلا قيمة الذهب تبلغ حوالي 12 مليار دولار. الاستثناءات كانت عبارة “محفظة الأوراق المالية” (التي أفترض أنها سندات اليوروبوندز أو الدين العام بالدولار الأمريكي)، حيث كانت تتجه صعودًا لمدة بضع سنوات لتصل في النهاية إلى رقم 31 مليار دولار، مما يعني أن الغالبية العظمى من ديوننا المقومة بالدولار يملكها البنك المركزي، وليس المُستثمرين أو الأجانب.
الجانب الإيجابي من تلك المعلومة، أنه يمكننا التحكم في الأسعار بشكل أفضل ويقلل من احتمال نشر مقالة سيئة في مجلة The Economist أو فاينينشال تايمز، حول سنداتنا أو عن قيمة عقود الائتمان (CDS).
ولكن الجانب السلبي لتلك المعلومة أن هذا يعني أنه لا يوجد أحد يريد إقراضنا أموالًا بعد الآن، باستثناء ربما دولة قطر، بقيمة متواضعة ورمزية (وهي مشكورة). يوضح هذا التقرير أيضًا أن احتياطي العملات الأجنبية قد انخفض من 44 مليار دولار (وهو الرقم الذي يذكره الجميع في المقابلات التلفزيونية المنتشرة منذ الصيف)، إلى 38 مليار دولار الآن.
ولكن الميزانية تقلصت بنحو 22 مليار دولار في الأسبوعين الأخيرين ، في حساب “ودائع البنوك” وحساب “قروض البنوك”.
ولكي أعطيك فكرة عن ضخامة المبلغ، يمكن القول أنه إذا قررت كل دولة عربية في أن تشارك بنفس المبلغ التي التزمت به قطر تجاه لبنان خلال القمة العربية الأخيرة، سيكون مجموع المبالغ التي يجب أن تدفعها تلك الدول نصف هذه المبلغ.
وهذا المبلغ؛ أكبر من الميزانية السنوية للحكومة اللبنانية، حيث أنها تعادل 40% من الناتج المحلي الإجمالي لدينا. ويتم موازنة هذه الأرقام في جدول بيانات “بنك لبنان المركزي”، بأرقام مقابلة في جميع ميزانيات البنوك الكبيرة.
في مقالتي “المخاطر الأخلاقية” (Moral Hazard)، قمت بتقدير المجموع الكلي لتلك الأرقام من 75 إلى 100 مليار دولار. وكنت مُخطئًا حيث اتضح أنها كانت 145 مليار دولار في منتصف فبراير، وهو ما يزيد على 80 ٪ من أموال ودائع البنوك في البلاد.
حسنًا، ما زلت لا تعرف معنى ذلك. إليك تشبيه أوضح؛ الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي للولايات المتحدة) 4 تريليون دولار، وهو ما يمثل 40 ٪ من المجموع الودائع المصرفية أو تساوي الميزانية السنوية لحكومة الولايات المتحدة أو 25 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
هذا على الرغم من أن لديهم القدرة على طباعة الأموال بشكل غير محدود من الدولارات، يأتي هذا في الوقت الذي تكون فيه الميزانية العمومية لبنك لبنان المركزي في فبراير الماضي، تقارب 3 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لدينا أو ما يقرب من 10 أضعاف ميزانية الحكومة.
لقد طلب مني الناس شرح هذا الأمر. الحقيقة الصادقة هي أنني لا أعرف، لكن سأحاول التكهن. ونظرًا لتعويض هذه الأرقام عن طريق أرقام مماثلة من قبل البنوك، فإن ذلك يمكن القيام به لتحسين ميزانياتها العمومية قبل تقاريرها الفصلية المقرر نشره في غضون أسبوعين.
سيكون هذا مشابهاً لشخص يسألني كم لديك من المال؟ فأخرج له ورقة بقيمة 100 دولار، وأقول له إن لديّ 100 دولار، ثم يذهب إلى والدي ويسأله نفس السؤال. فأمنح والدي خلسة نفس الـ 100 دولار؛ ليقول هو أيضا معه 100 دولار، لكي نبدو كما لو كنا معًا نملك 200 دولار، ولكن في الوقع قمنا بمضاعفة المبلغ الفعلي الذي نملكه.
دعوني أكون واضحا. ليس بالضرورة أن يكون هناك سبب خبيث لهذا ويمكن أن يكون هناك تفسير معقول وبريء، ولكن هذا الرقم الضخم، بدون تفسير كاف، أمر مقلق.

عندما قامت الولايات المتحدة بخطة إنقاذية بعد الأزمة الاقتصادية في العام 2008، كان حجم خطة استرداد الأصول المتعثرة (TARP)، أكبر خطة توفير في التاريخ، حيث خصصت 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة على مدى عدة سنوات. إذاً، عندما يكون لدينا تحرك اكبر من ذلك بكثير، قيمته 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ألا ينبغي أن يكون هناك نوع من التفسير؟ ربما سؤال من البرلمان؟ الصحافة؟ او هم مشغولون بشيء أكثر أهمية، مثل التحقيق في إنفاق وزارة الخارجية 9000 دولار في صالة كبار الشخصيات في مطار هيثرو؟
هل ما سبق من أخبار كان مُخيفا؟ حسنًا، دعني أخبرك ببعض الأخبار الجيدة.اولا، ما زالوا ينشرون الأرقام حتى الآن، مع انها لو توقفت، ربما لن يعترض أحد أو يلاحظ. ثانيا، من المرجح أن تكون الأرقام دقيقة وإلا كان قد تم تعديلها بشكل أفضل. أنا أعتقد أن جزء من السبب هو الاعتماد على قلة التركيز عند الإنسان في عصر تويتر.
فاللبنانيون لا يقرؤون أكثر من عنوان المقال. وعندما يقرؤون، فهم لا يحفظون، وعندما يحفظون، لا يتفاعلون … وعندما يتفاعلون، ينسون …
أعلم أنك لا تستطيع تعريفها، لكن هل عرفتها عندما رأيتها الآن؟
الكلمة الأخيرة: م.ج. شاب عصامي للغاية، بدأ دراسته في مدارس عادية، ولكن انتهى به الأمر بالحصول على درجة الماجستير من جامعتنا المرموقة، الجامعة الأميركية في بيروت، ولكنه عاطل عن العمل، تمامًا مثل 37٪ من شبابنا.
لو كان العالم عادلاً، لكان وجد عملا كموظف في أحد البنوك في لبنان، أو أحد شركات الاستشارات الإدارية. أود أن أكشف عن شخصيته، لكني أخشى أن يؤذيه ذلك؛ لأن أصحاب العمل المُحتملين قد لا يحبون الشباب الذين يفكرون خارج الصندوق … أو حتى الذين يفكرون محض. انهم يريدون شخص فقط كي يجذب دولارات “طازجة” لمواصلة اللعبة، على أمل ألا يلاحظ أحد.
يوما ما، إذا كان محظوظًا، سيهاجر إلى مكان يقدّرون فيه مهاراته، ولن نراه مرة أخرى وسوف ينتهي به المطاف إلى رقم في إحصائية لهجرة العقول،

دان قزي، كاتب في جريدة النهار. تمت دعوته مؤخرًا الى زمالة بحثية في جامعة هارفارد، وهو برنامج لكبار المديرين التنفيذيين للاستفادة من خبراتهم وتطبيق تجاربهم لاكتشاف حلول لمشاكل ذات طابع اجتماعي. سيكون تركيز دان البحثي في جامعة هارفارد حول الإصلاح الاقتصادي والسياسي في بلد صغير افتراضي مليء بالفساد والإهمال. في السابق، كان يعمل كرئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد لبنان.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى