مقالات رأيمونيتور الفساد

أنظمة الحكم المفتقرة للشفافية توفر مناخا” مناسبا” للفساد

أجاب الخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري على أسئلة الصحافة المحلية حول الحملة على الفساد.

سؤال: تعقيبا على ما قاله الرئيس ميشال عون بخصوص مكافحة الفساد ووجود بعض الكيانات المضللة التي تعمل على ترسيخه، والإشارة إلى قدرة لبنان على دحض كل ألوان الفساد المنتشرة في البلاد، فهل تعتقد أن الرأي العام والشارع اللبناني جاهز حاليا لخوض المعركة ضد الفساد، أم أن الفساد هو بمثابة ثقافة سائدة وأمر طبيعي تقتضيه ظروف الحياة؟

الخوري:  أعتقد أن هذا السؤال صعب الإجابة عليه دفعة واحدة، لذا أرى أنه من الأفضل تجزئة السؤال كي يمكننا تقديم جواب شاف له، حيث أن تناول البعد الاجتماعي الاقتصادي كما السياسي لملف الفساد قد يبدو أكثر أهمية من التطرق إلى البعد القانوني الإجرائي لتلك القضية الشائكة المنتشرة في جميع أنحاء العالم.
تجدر الإشارة أولا إلى أن القرار السياسي يجب أن يكون على أتم الاستعداد لمواجهة الفساد من جهة، كما يجب أن يكون جاهزا للتغلب على كافة التحديات والعقبات المتوقعة.
واستنادا إلى ما قاله  الرئيس بأنه “لا حصانة لأحد مهما علا شأنه” فإن هذه العبارة التي تحمل بعدا سياسيا هاما وقد تنطوي على بعض المخاطر، وترتكز  على البدء بالتخلص من شتى أنواع الفساد تدريجا” في الدولة.
وفي الحقيقة، فإن الاقتصاد السياسي في لبنان اليوم بات يحتاج بشدة إلى محاسبة كل المتورطين في الفساد، وذلك نظرا لتدهور الأوضاع والظروف الاقتصادية في البلاد وعدم قدرة النموذج اللبناني على استيعاب كلفة الفساد اللاعقلانية.

سؤال: لماذا ترتفع نسبة الفساد بالأخص في لبنان بالمقارنة بالدول الأخرى؟

الخوري: الفساد ينتشر في لبنان منذ عقود طويلة، وذلك واضح من خلال مراجعة مؤشر مدركات الفساد خلال السنوات الماضية، ولكن أشكال الفساد تتجلى حاليا بصورة أوضح لأن الاقتصاد الوطني بات عاجزا عن تحمل عبئ الفساد والمفسدين.

سؤال: هل عناصر الفساد اقتصادية ومالية فقط، أم أن هناك عناصر سياسية أيضا؟

الخوري: بالنظر إلى عالم السياسة، فإن وجود نظام حكم يفتقر إلى الشفافية يوفر بلا شك مناخا مناسبا لانتشار الفساد، لذا فإن دور الهيئات الرقابية يتلخص في إجراء مراجعات تحليلية عميقة للارقام بعد انتهاء قطع حساب الموازنات المتراكمة .
ويجب العمل بقانون مراجعة الثروات وإخضاع الأفراد والمؤسسات للمسائلة والتحري عن مصادر كسبهم، ويجب أن يكون دور لبعض الهيئات غير الرسمية كالنقابات المهنية بهذه المهمة أيضا. كما تجدر الإشارة أيضا إلى دور المجتمع المدني وباقي مؤسسات الرأي العام في مكافحة الفساد.

سؤال: كيف يمكن حشد الرأي العام من أجل مكافحة الفساد في ظل الطبيعة المذهبية الطائفية التي يتسم بها المجتمع اللبناني؟

الخوري: أعتقد أن الاستقطاب الطائفي يعتبر عقبة كبيرة جدا في سبيل مكافحة الفساد، لذا فإن كلام الرئيس الذي يحث على ضرورة مؤازة الشعب للسلطة في معركة الفساد يؤكد أهمية دور النقابات والمجتمع المدني.

سؤال: وهل تعتقد أن خطة محاربة الفساد يمكن تنفيذها على أرض الواقع في لبنان؟

الخوري: عندما يتم تحويل الأزمات إلى فرص، تصبح كل الأمور متاحة وممكنة، مع الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الحساسة لتركيبة المجتمع اللبناني ، وذلك من خلال المساواة بين الجميع في الخضوع للمسائلة استنادا للأطر الدستورية في البلاد.
ويجب أن تبدأ معركة الفساد على نحو سليم، فإذا ما بدأت الامور باتهام الرموز الكبرى فربما ننساق نحو الاستقطاب الطائفي، وعليه لابد من إسناد مهمة المحاسبة للهيئات الدستورية وممثلي الرأي العام ومراقبة ما سيتمخض عنه المشهد في الأخير.
ويجب الإشارة إلى أهمية وجود الإرادة المشتركة بين جميع الطوائف اللبنانية تجنبا للانسياق نحو التوترات الأهلية.

سؤال: هل يعول على نتائج مؤتمر “سيدر” وحملة مكافحة الفساد من أجل تحويل الاقتصاد اللبناني من الريعي إلى الإنتاجي؟

الخوري: أعتقد أنه لا يعول تماما ولكن يمكن لكلا الأمرين المساهمة في النهوض بالاقتصاد اللبناني، والعمل على إنتاج فكر اقتصادي جديد واستراتيجية اقتصادية مستقبلية تعيد بناء الأسس السليمة للاقتصاد في لبنان.
كما يجب العمل على نشر الوعي التنموي كي يتمكن المجتمع من قبول فكرة التحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، وهذا أمر غير سهل خاصة أن الاقتصاد الريعي لا زال يخدم أهداف ومصالح بعينها.

سؤال: الفجوة الكبيرة بين جيل الشباب حاليا وبين الواقع، هل يمكن أن تسهم في تحويل مسار الاقتصاد اللبناني؟

الخوري: أعتقد أن الشباب المنفتح حاليا بصورة كبيرة على عالم التكنولوجيا قادرعلى تغيير مقدرات الأمور والنهوض بالوضع الاقتصادي. وهنا يتجلى دور مؤسسات الرأي العام في تسليط الضوء على فئة الشباب والاهتمام بشئونهم، الأمر الذي يمنع انتشار الجريمة ويسهم في قيادة البلاد نحو الأفضل.

سؤال: وفي الختام، هل تشعر بالتفاؤل تجاه مستقبل البلاد؟

الخوري: المستقبل دائما يعد بالتغيير للأفضل، وذلك على الرغم من الظروف الصعبة للبلاد، ولكن يجب على أية حال عدم تكرار أخطاء الماضي، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة حل المشكلات المجتمعية القائمة مثل البطالة.

اخترنا لكم

زر الذهاب إلى الأعلى