إقتصادمصارفمقالات رأي

أزمة الدين العام 2019: حمى الله الليرة اللبنانية

إن ارتفاع المديونية على مدى العقدين الماضيين أصاب الاقتصاد اللبناني بضربات مفصلية قاتلة ،حيث دخلت الحكومات المتعاقبة في دائرة مفرغة مثقلة بعبء ضخامة الدين العامة والعجز المتكرر في الميزانية. ان هذه الحلقة المغلقة قد أحبطت أي مؤشر للنمو الاقتصادي وتصاعدت من جرائها أزمة الديون الأمر الذي جعل  لبنان يحتل المركز الثالث في العالم بعد اليونان على قائمة الدول بأعلى نسب ديون إلى الناتج المحلي الإجمالي.

بصفة عامة، ان أهمية مؤشر الدين الحكومي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي تكمن في استخدامه من قبل المستثمرين لقياس قدرة البلد على تسديد ديونه المستقبلية مما يؤثر على  تكلفة الاقتراض والمردود على السندات الحكومية. من هنا كان الاتفاق على أن لبنان بحاجة ملحة لإصلاحات جذرية لمساعدة الاقتصاد والحد من الاعتماد على عمليات البنك المركزي التي وصفها صندوق النقد الدولي “غير تقليدية “.

 ولكن منذ الانتخابات البرلمانية في أيار/مايو، قد فشل السياسيون بتشكيل حكومة تكون من أولوياتها معالجة العجز الاقتصادي، وتعزيز الثقة في النظام المالي كما وإطلاق العنان للمليارات عبر التمويل المقدم من المانحين آخرها مؤتمر سيدر.

في الوقت الحالي وفقا لوزارة المالية، بلغ إجمالي الدين العام مبلغ 83.39 مليار دولار في شهر تشرين الأول من عام 2018 بارتفاع تصل نسبته الى 5.53 في المائة على أساس سنوي. أما ما هو مقلق الى حد يلامس الخطورة هي نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي وصلت إلى 160% بحسب صندوق النقد الدولي.

في التفاصيل، ارتفعت الديون بالليرة اللبنانية والتي تشكل 61.98% من مجموع الديون الإجمالية بنسبة 3.83%  لتصبح 49.82 مليار دولار وفي الوقت نفسه، ان الديون المقومة بالعملة الأجنبية استحوذت على النسبة الباقية أي 38.02% والمقدرة 33.57 مليار دولار أمريكي.

إن مشكلة تضخم الدين العام اللبناني المقومة بالدولار قد تكون القنبلة الموقوتة التي سوف تفجر ازمة مالية كتلك التي حصلت في مطلع التسعينات. في تقريره الفصلي الأخير، جدد”مصرف التسويات الدولية” على ضرورة تخفيض الديون المقومة  بالدولار لانه في حال استمر الدولار الأمريكي بتعزيز قيمته وسط ضعف العملة اللبنانية المثقلة بالديون المدولرة سوف يصبح من الصعب تسديدها وهذا يمكن أن يؤدي إلى فقاعة مالية في انتظار الانفجار.

من المفيد جدا لا بل مطلوب من اصحاب القرار متابعة الدول التي لديها ديون مقومة بالدولار ومراقبة كيفية مقاربتها لتلك المعضلة للاستفادة من تجاربها ولاستخلاص العبر علا وعسى ان تكون مفيدة لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتهاوي. ما يحدث الآن في الأسواق ولا سيما في الاقتصاديات الناشئة يحتم أن نكون أكثر تيقظا حيث ان ديون الشركات الآن تتجاوز إلى حد كبير المستويات الملحوظة قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008.

 ما هو مخيف ان هناك أزمة عملة وشيكة فيعدد من الدول التي لديها مديونية مدولرة لا سيما في آسيا وغيرها من الأسواق الناشئة. ان الرابط المشترك بين الليرة التركية والريال الإيراني والروبل الروسي، والروبية الهندية، والبيسو الأرجنتيني، البيزو الشيلي، اليوان الصيني وراند جنوب أفريقيا هو انخفاضها كلها تدريجيا هذا العام علما ان هذه البلدان لديها ديون مقومة بالدولار الأمريكي والتي سوف يصبح سدادها أكثر صعوبة. 

ان معالجة اي خلل اقتصادي هو مسؤولية مشتركة تقع بين السياسة المالية التابعة لوزارة المالية أي الحكومة والسياسة النقدية المسؤول عنها مصرف لبنان. اما حاليا ما يحصل في لبنان على صعيد الوضع الاقتصادي فهو محصور فقط في نشاط القطاع المصرفي بمراقبة ومؤازرة المصرف المركزي أما على صعيد السياسة المالية فهناك غياب تام يصل الى حدود الشلل لذلك فان اللبنانيين مدعوون للتيقظ واتخاذ إجراءات احترازية تحمي أصولهم واستثماراتهم. 

تتبع المصارف اللبنانية سياسة استقطاب المزيد من الودائع في الدولار الأمريكي فيما يتخبط البلد للحفاظ على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار والتي تعود إلى أكثر من عقدين من الزمن وذلك عبر إغراء العملاء بمنحهم فوائد عالية لتحفيزهم على تحويل تلك الودائع من العملة الصعبة إلى الودائع بالليرة اللبنانية و لآجال طويلة وبدورها تقوم المصارف بشراء الدين الحكومي الذي يمول المديونية العامة والعجز في البلاد.

وبطبيعة الحال لا تأتي هذه العوامل بتكلفة منخفضة، ان التكلفة مرتفعة لاقتصادنا حيث ان سياسة البنك المركزي في الرفع المستمر لأسعار الفائدة بهدف الإبقاء على تدفق الأموال إلى المصارف زادت من المخاطر على النظام المالي وضيقت الخناق على الاقتصاد المترنح اصلا.

ان الاعتماد المتزايد على الودائع المصرفية لتمويل الدولة جعل لبنان وبنوكه أكثر عرضة للصدمات السياسية. أصبح وضع المصارف هشا وضعيفا لناحية القطاع العام خاصة وأن نصف ميزانيات المصارف هي ودائع في المصرف المركزي.

على الرغم من الترحيب المحلي والدولي بجهود البنك المركزي للحفاظ على تدفقات الودائع في مواجهة الضغوط العديدة على لبنان، اضف الى ذلك الثقة الممنوحة من اللبنانيين إلى الحكمة والتقنية العالية التي يتمتع بهاحاكم مصرف لبنان الذي تصدر أكثر من مرة لائحة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم إلا أنه وبحسب صندوق النقد الدولي ان الدين العام في لبنان “غير مريح” وهناك حاجة إلى “تسوية مالية فورية وكبيرة”.

 كثيرون في لبنان يتساءلون لماذا لا يضع السياسيون خلافاتهم جانبا لينكبوا إلى وضع دراسات واقتراحات اقتصادية ومالية عملية للنهوض بالاقتصاد اللبناني ووضعه على السكة السليمة فيطمئن المواطن لمستقبله ومستقبل الأجيال القادمة التي لا حول ولا قوة لها حاليا الا الهجرة سعيا وراء مستقبل أفضل.

إذا استمر الوضع الاقتصادي والسياسي على ما هو حاليا، ففي نهاية المطاف أننا ملزمون بأزمة مالية قد تهدم الهيكل على رؤوس الجميع…. والسلام.

اخترنا لكم

إغلاق