اخترنا لكماقتصاد الطاقةاقتصاد المستقبلدولياتمقالات رأي

أزمات الزيت الصخري الأميركي تتفاقم

في الأسابيع الأخيرة شهدت ربحية شركات إنتاج الزيت الصخري في الولايات المتحدة لا سيما في ولايات نورث داكوتا وتكساس انخفاضا بنسبة 43% من أعلى المستويات منذ أكتوبر تشرين أول  2018  حسب آخر الدراسات. تعاني الشركات من أزمة سيولة مالية خانقة حيث تعتمد غالبية شركات تكسير الصخر Fracking  لاستخراج النفط على الاقتراض من البنوك التي بدأت تتردد في منح التسهيلات المالية. وهذا بدوره سيؤدي إلى تخفيض عمليات التنقيب والاستخراج. كما أن تراجع العوائد المالية أدى الى الاحباط في صفوف المستثمرين.

وأشارت “الوول ستريت جورنال” أوائل مارس آذار  لاستراتيجية حفر آلاف الأبار قريبة جدا من بعضها البعض واعتبرتها استراتيجية خاطئة ستقود إلى الإفلاس.  لأن هذه الميثودولوجية تؤذي وتعرقل الاستغلال الجيد للآبار الناضجة الغنية المخزونات النفطية. ويعتقد الخبراء أنه يتعين على صناعة الزيت الصخري ان تعيد النظر في استراتيجياتها وأساليبها لكي تبقى وتزدهر.

وكما نعلم باتت الولايات المتحدة المنتج الأكبر في العالم، ومن المتوقع ان يصل الانتاج النفطي في ولاية تكساس هذا العام 4 ملايين برميل يوميا أي ثلث الإنتاج الاجمالي الأميركي الذي يبلغ الآن 12.1 مليون برميل يومياً.

وإذا ارتفع الإنتاج بالمعدل الذي تتوقعه دائرة معلومات الطاقة الأميركية، فإنه سيلغي عملياً تخفيضات “أوبك” في نهاية 2019 حسب ارقام الدائرة وهذا يجعل الولايات المتحدة أكبر منتج نفطي في العالم. وستصبح مصّدرا نفطيا رغم اعتمادها على النفط المستورد لعقود من الزمن. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول 2025 سيفوق الإنتاج الأميركي ما تنتجه السعودية وروسيا معا.

 ولكن هناك تحديات كبيرة

المشكلة الكبرى التي تواجه تصاعد إنتاج الزيت الصخري في حوض بيرميان  في ولاية تكساس الأميركية هو النقص الحاد في البنية التحتية الكافية لمعالجة الإنتاج الكبير من النفط والغاز، ولهذا يحرق العديد من المنتجين الغاز الطبيعي بدل استغلاله وبيعه. وتواجه الشركات صعوبات في شحن النفط بسبب الافتقار لبنية تحتية كافية لنقل وتخزين النفط وشحنه.

وعلى سبيل المثال في عام 2017 تم شحن حوالي 112 مليون برميل من النفط من ميناء “كوربس كريستي” على ساحل تكساس. علما أن العالم يستطيع شراء كميات أكبر ولهذا تم البدء بمشاريع توسيع القدرة الاستيعابية للميناء بتكلفة 327 مليون دولار لرفع كفاءة الميناء بنسبة 100% أي ضعف المقدرة الحالية في السنوات المقبلة.

ومن المتوقع ان يتم اكمال مشروع خطوط أنابيب يغطي مسافة 730 ميلا وبمقدرة لنقل النفط من حقول البيرميان الى ميناء كوربس كريستي في نهاية 2019 وبداية 2020,. سوف يكون بمقدرة الأنابيب نقل 550 الف برميل يوميا لشحنها لأي مكان في العالم في ناقلات عملاقة.

ومن المعضلات التي تواجه صناعة النفط الأمريكية هو انتشار المصافي التكريرية التي كانت تعالج النفط المستورد في سنوات سابقة وتجد من الصعوبة تكرير النفط الأميركي الخفيف وهو أخف من نفط فنزويلا وكندا والسعودية.

رغم الصورة المتفائلة في ولاية تكساس الا ان رؤساء تنفيذيين لبعض أكبر شركات الإنتاج وخدمات حقول النفط حذروا من أن صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة بدأت في التباطؤ بسبب التحديات اللوجستية، بما في ذلك تكاليف العمالة والافتقار إلى الطاقة الكافية لخطوط الأنابيب. وتتراكم الأدلة على أن طفرة الصناعة النفطية في حوض بيرميان الواقع غربي تكساس وشرقي نيو مكسيكو آخذة في التراجع.

ضغوط مالية وتقنية

يواجه تصاعد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة تحديات مالية وفنية قد تعيق استمرار وتيرة ارتفاع الإنتاج، شركة شلمبرجير وهاليبيرتون، وهما من أكبر شركات  الخدمات النفطية التي تزود معدات وأجهزة وخبرات فنية في مجالات التنقيب والإنتاج والخدمات اللوجستية، تعتقدان ان إنفاق المستهلكين في الولايات المتحدة وكندا سيتراجع بنسبة أكثر من 10% ومن ثم الطلب على المشتقات النفطية المكررة سيتراجع.

منتجو الزيت الصخري يشدون الأحزمة بعد تهاوي الأسعار أواخر عام 2018 ويتعرضون لضغوط من المستثمرين بانتاج المزيد من النفط ولكن بتكلفة أقل. وظهور بعض المشاكل التقنية الى السطح تشير ان التنبؤات بالمزيد من الانتاج قد لا تتحقق. وتتوقع 3 شركات خدمات طاقة ونفط بتراجع إنتاج الزيت الصخري وهي شركة شلمبرجير للخدمات النفطية وشركة هاليبرتون لخدمات الطاقة وشركة بيكر هيوز المتخصصة في مجال تقديم خدمات لحقول النفط.

وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة شلمبرجير أن هناك  تنافراً ومفارقات بين حقول النفط القديمة الوافرة وحقول الزيت الصخري الجديدة  المحدودة، والتي لا تأتي بعوائد اقتصادية كافية.

وصدر عدد من التقارير أواخر عام 2018 تشير إلى  السلبيات مثل نقص في الإنتاجية ومبالغات في التنبؤات والعوائد المالية. وحسب بلومبيرغ ان شركات الطاقة تتعرض الى ضغوط من السلطات الى إنفاق المزيد على الطرق والمدارس والبنية التحتية في منطقة حوض بيرميان الشاسعة المساحة والغنية بالنفط الصخري تحضيرا لمزيد من النشاطات الانتاجية في السنوات المقبلة.

وتقول شركة بيكر هيوز المتخصصة في الحفارات في تقريرها الأخير ان هناك آلاف الآبار تم حفرها ولكن عمليات التكسير الصخري لم تبدأ بعد. وبلغ إنتاج النفط الأميركي مؤخرا  12.1 مليون برميل يوميا مسجلا ارتفاع بنسبة 30% منذ 2017.. ويتم استغلال آبار الزيت الصخري بشكل مكثف وتنضب بفترة قصيرة خلال عام  أو عامين واحيانا لا تستغرق أكثر من أشهر معدودة وتتراجع العوائد خلال فترة قصيرة.

التحدي الجديد هو التلوث والشوائب

اثنتان من أكبر مصافي التكرير في كوريا الجنوبية رفضتا استلام شحنات نفطية محمولة على ناقلات نفط خام أميركي في الأشهر الأخيرة بسبب التلوث الذي يخلق صعوبات في عمليات التكرير ويؤدي الى تلف وتخريب في أجزاء من المنشآت التكريرية.  وحسب تقرير بلومبيرغ هذا الاسبوع، فإن الانتاج الأميركي الذي يتنامى ويرتفع ويأتي من مئات الحقول وبنوعيات مختلفة من الخفيف جدا الى المتوسط والثقيل والزيوت السريعة التقلب يمر بمراحل من النقل والتحميل ومن خلال روافد وفروع خطوط انابيب متشابكة تتعرض للامتزاج والخلط والتلوث. ثم تحملها ناقلات نفط صغيرة من الموانئ الضحلة الى ناقلات عملاقة في الموانئ العميقة في خليج المكسيك قبل ان تعبر المحيطات في طريقها لآسيا.

وخلال  عملية نقل النفط الخام من الأنابيب الى الصهاريج والى السفن  تحدث عملية التلوث من  كيماويات غريبة تحتوي على شوائب وتختلط بالنفط. ومن مصادر التلوث التي تفسد نقاوة النفط هي المركبات الكيماوية التي تستخدم في تنظيف الأنابيب والصهاريج وتترك آثارًا مضرة من الأكسجنة.

وعندما تصل الى المصافي تترك شوائب على اجهزة التكرير وتخرب المصافي. بينما نفوط الشرق الأوسط تمر في مراحل مشابهة ولكن بدون شوائب لأن كل نوع من النفط له بنيته التحتية الخاصة به ومنفصلة عن بقية الأنواع. ولكن الزيت الصخري خاصة الخفيف جدا يتعرض للمعادن المؤكسدة في الأنابيب والمواد التنظيفية ويحتك مع مركبات كيماوية غريبة.

وحسب التقارير، هناك أنواع مختلفة من النفط الخام تمر في مراحل النقل والتوزيع من حقول الإنتاج البعيدة عن السواحل من تكساس في الجنوب إلى شمال داكوتا والخطر هو التقاط شوائب مختلفة قبل وصولها للمستورد في آسيا. مصافي التكرير تريد نفطا خاليا من بقايا معدنية وكيميائية ومؤكسدات وكلها تؤثر على نوعية الوقود والمقطرات التي تنتجها المصافي.

تستورد كوريا الجنوبية 550 الف برميل يوميا من النفط الأميركي وتعد كوريا الجنوبية من كبار مستوردي النفط الأميركي في العالم.

وحسب تقارير بلومبيرغ تعود الشحنات المرفوضة إلى شركة ” بريتش بتروليوم”، ويقول التقرير، إن مصفاتي “أس كي انوفيشن كو” و”هيونداي أويل بانك كو”، رفضتا وارجعتا هذه الشحنات، التي تعود إلى حقول ايغل فورد في  حوض بيرميان في ولاية تكساس الغنية بالنفط الصخري. وتم التعاقد عليها ضمن عقود تسليم الميناء في يناير وفبراير الماضيين.

وحسب مصادر بلومبيرغ، فإن الشحنات وبعد رفضها في الموانئ الكورية تم تحويلها في سفن صغيرة إلى ميناء غينداو الصيني وتم بيعها هنالك ولا شك بأسعار مخفّضة.

ولكي يقبل الزبائن النفط غير النقي، يضطر البائع الأميركي ان يعوض المشتري بخصومات في السعر. والحل يكمن في تشديد رقابة الجودة وازالة مصادر الشوائب.

وعلينا توخي الحذر من التنبؤات بأن الزيت الصخري سيحل محل النفط التقليدي وسيهدد مستقبل “أوبك” منظمة الدول المصدرة للنفط.

ولذلك في هذه المرحلة وحسب المعطيات والدراسات الحديثة،  الزيت الصخري سوف لا يكون الدورادو الجديدة أي المدينة الاسطورية المليئة بالكنوز والذهب والأحجار الكريمة.

 

اخترنا لكم

إغلاق